مع اقتراب شهر رمضان، تستعد المجتمعات العربية لموسم يُعدّ الأهمّ استهلاكياً واجتماعياً على مدار العام، غير أن هذا الموسم الاستثنائي يأتي في ظل مشهد اقتصادي إقليمي بالغ التعقيد.
ووسط ضغوط تضخمية متصاعدة، وارتفاع مستمر في كلفة المعيشة، وتوترات جيوسياسية ألقت بظلالها على سلاسل الإمداد وأسعار السلع الأساسية، يجد المستهلك العربي نفسه أمام معادلة دقيقة بين الحفاظ على الطقوس الرمضانية وضبط الإنفاق بما يتناسب مع المتغيرات الجديدة.
التضخم
في هذا السياق، تبرز مؤشرات التضخم بوصفها العامل الأكثر تأثيراً في إعادة تشكيل خريطة الاستهلاك، إذ تكشف بيانات صندوق النقد الدولي عن تصاعد معدلات التضخم عالمياً وعربياً خلال عام 2025، مع تسجيل فروق كبيرة بين الدول، في وقت يبلغ فيه متوسّط التضخم العالمي نحو 4.2%.
وعلى المستوى العربي، كشفت البيانات ذاتها عن تسجيل السودان أعلى معدل تضخم عربي بنسبة 87.2%، لتتصدر قائمة الدول الأكثر تأثراً، تلتها اليمن ومصر بنسبة 20.4% لكلّ منهما، ثمّ تونس بنسبة 5.9%.، ما يعكس ضغوطاً متفاوتة على القوة الشرائية للأسر.
في المقابل، جاءت معدلات التضخم أقلّ حدّة في عدد من الدول العربية، من بينها الصومال 3.6%، والجزائر 3.5%، وجزر القمر 3.3%، وموريتانيا 2.5%، ثم الأردن والكويت 2.2% لكلّ منهما، وهو ما يبرز اتساع الفجوة التضخمية في داخل المنطقة، وانعكاساتها المباشرة على أنماط الاستهلاك.
أجواء رمضان في العالم العربي (وكالات).
خريطة الاستهلاك الرمضاني
هذا التباين انعكس بوضوح على خريطة الاستهلاك الرمضاني؛ ففي الدول ذات التضخم المرتفع، مثل السودان واليمن ومصر، اتجهت الأسر إلى تقليص الكميات، والبحث عن بدائل أقلّ سعراً، مع التركيز على السلع الأساسية دون الكمالية، والاعتماد على العروض الترويجية والشراء الجماعي، في محاولة لاحتواء أثر ارتفاع الأسعار.
أما في أسواق الخليج، حيث الدخل المرتفع والدعم الحكومي، فظلّ الإنفاق أكثر استقراراً، وإن تأثر جزئياً بإعادة ترتيب الأولويات والتركيز على الجودة والقيمة مقابل السعر.
ضغط مزدوج
في تعليق خاص لـ”النهار”، يؤكد الخبير الاقتصادي أحمد عادل أن شهر رمضان هذا العام يأتي تحت ضغط مزدوج من التضخم والتوترات الجيوسياسية، ما أثر بشكل واضح على سلوك المستهلك العربي، إذ أصبح أكثر حذراً وميلاً للتخطيط المسبق.
يضيف أن الدول ذات المعدلات التضخمية المرتفعة ستشهد انكماشاً نسبياً في الاستهلاك غير الأساسي، بينما قد تحافظ الأسواق المستقرّة نسبياً على وتيرتها، مدعومة ببرامج الحماية الاجتماعية.
أحد مراكز التسوق العربية (وكالات).
اقتصاد الليل
في موازاة هذا التحول في أولويات الإنفاق، يبرز “اقتصاد الليل” كأحد أبرز مظاهر الموسم الرمضاني، إذ ينتقل النشاط الاقتصادي من النهار إلى الليل مع السهر بعد الإفطار وصلاة التراويح، وزيادة التسوق والترفيه.
وتنشط بذلك المطاعم والمقاهي، وتزداد خدمات التوصيل، وتنتعش الفعاليات الرمضانية الليلية، فيما تتحرك الأسواق والمولات بوتيرة أعلى، ما يعكس انتقال الذروة الشرائية إلى ساعات الليل بما يتناسب مع خصوصية الشهر.
ويترجم هذا الحراك بأثر اقتصادي مباشر على قطاعات حيوية، في مقدّمها المطاعم والسياحة الداخلية، ولا سيما في دول مثل السعودية والإمارات وقطر، حيث تتحول المدن إلى منصات نابضة بالفعاليات والأنشطة، بما يعزز إيرادات الضيافة والتجزئة ويدعم الدورة الاقتصادية خلال الشهر الفضيل.
ويرى الخبير أحمد عادل أن اقتصاد الليل قد يُسهم جزئياً في تخفيف حدّة التباطؤ في بعض الأسواق، عبر تنشيط الطلب وتحريك السيولة، لكنه لا يستطيع تعويض الأثر العميق للتضخم المرتفع في الدول الأكثر تأثراً.
في المحصلة، يكشف رمضان 2026 عن مشهد استهلاكيّ عربي أكثر واقعية وحذراً، تُعيد فيه الأسر ترتيب أولوياتها تحت وطأة المتغيرات الاقتصادية.

