يا باغيَ الخيرِ أقْبِلْ/بقلم: الدكتور عمران صبره الجازوي
إنَّ من رحمةِ اللهِ – عزَّ وجلَّ – بعباده أنه يٌقبلُ عليهم إذا ما أدبروا ، ويقوِّمهم إذا ما اعوجوا ، يتحبَّبُ إليهم بالنعمِ ، وهو الغنيُّ عنهم ، ويتبغَّضونَ إليه بالمعاصي ، وهم أحوجُ الخلقِ إليه ، فسبحانكَ ربي ما أرحمكَ ! ، وما أكرمكَ !
ومن عظيمِ رحمته ، وواسعِ كرمه أن جعلَ لهم شهرَ رمضانَ ربيعاً للطائعينَ ، وموسماً للتائبينَ ، تُصفَّى فيه نفوسُ المؤمنينَ ، وتُذرفُ فيه دموعُ المتهجدينَ ، وتُنصبُ فيه سوقُ المتصدقينَ والمستغفرينَ ، والمسارعينَ في الخيراتِ ؛ لتُلقى عن ظهورهم أثقالُ الأوزارِ والسيئاتِ التي وقفتْ حائلاً بينهم وبينَ الدخولِ إلى اللهِ ، وجعلَ منادياً من قِبَله ينادي كلَّ ليلةٍ : يا باغيَ الخيرِ أقْبِلْ … ، ولم يكتفِ بدعوة عباده إلى الخيرِ ، بل أعانهم عليه ، ويسَّرَ لهم أسبابَ الإعانةِ ، ومن ذلك ما يلي :
1- افترضَ عليهم صومَه ؛ تحقيقاً للتقوى . قالَ تعالى :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } سورة البقرة الآية-183 ، يقولُ القرطبي – رحمه اللهُ – :” وتتقون قيل : معناه هنا تضعفون ، فإنه كلما قل الأكل ضعفت الشهوة ، وكلما ضعفت الشهوة قلت المعاصي …” القرطبي : الجامعُ لأحكامِ القرآنِ ج/1 ص 28
2- جعلَ الصومَ حائلاً بينهم وبينَ عذابه – عزَّ وجلَّ – ، ووقايةً لنا منه . قالّ رسولُ اللهِ – ﷺ – : ” الصِّيَامُ جُنَّةٌ ، وَحِصْنٌ حَصِينٌ مِنَ النَّارِ” رواه الإمام أحمدُ في مسنده .
3- جعلَ الصومَ تضييقاً لمجاري الشيطانِ الذي إن ضاقتْ مجاريه خفَّتْ دواعي الشهوة التي تردي صاحبها وتهلكه . قالَ – ﷺ – :” يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وِجَاءٌ ” متفقٌ عليه .
4- جعلَ الصومَ سبباً لإجابةِ الدعاءِ ، ومن ثمَّ حطُّ الخطيئاتِ ، وتكفيرُ السيئاتِ . قالَ – ﷺ – :” ثلاثة لا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ الإِمَامُ الْعَادِلُ وَالصَّائِمُ حِينَ يُفْطِرُ وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ يَرْفَعُهَا فَوْقَ الْغَمَامِ وَتُفَتَّحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَيَقُولُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ وَعِزَّتِي لأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ ” رواه الترمذي في صحيحه .
5- جعلَ ثوابَ الصومِ إليه ، فكلُّ الأعمالِ جزاؤها الحسنةُ بعشرِ أمثالها إلى سبعمائةِ ضعفٍ إلا الصوم ، فأنه أضافه إلى نفسه ، وتولَّى جزاءه بغيرِ حصرٍ . قالَ – ﷺ – :” كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي….” رواه مسلمٌ في صحيحه .
6- اختصَ الصومَ بمزيدِ فضلٍ . قالَ – ﷺ – :” … والذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِن رِيحِ المِسْكِ …” رواه البخاري في صحيحه ، وفي هذا دلالةٌ على علوِّ مكانةِ المؤمنِ عندَ ربه ، وقربه منه ، فإذا كانَ هذا لخلوفِ فمه فكيفَ به ؟!
7- جعلَ للصائمينَ باباً يخصهم من أبوابِ الجنةِ يُقالُ له ” الريَّانُ ” لا يدخلُ منه غيرهم . قالَ – ﷺ – :” إنَّ في الجنةِ بابًا يقالُ له : الريَّانُ يقالُ يومَ القيامةِ : أين الصَّائمون ؟ هل لكم إلى الريَّانِ ؟ من دخلَهُ لم يظمأْ أبدًا فإذا دخلوا أغلِقَ عليهم ، فلم يدخلْ فيه أحدٌ غيرُهم ” رواه النسائي في صحيحه .
هذه هي بعضُ الأسبابِ المعينةِ على فعلِ الخيرِ لمن بغاه وأراده فاستكثروا في هذا الشهرِ من فعله ، وأبوابه كثيرةٌ لا حصرَ لها ولا عدَّ ، فصوموا صياماً يليقُ بربكم ، وأحيوا ليلكم ، وصلوا أرحامكم ، وقولوا للناسِ حسناً ، واعفوا عمن ظلمكم ،واعطوا من حرمكم ، واصفحوا عمن أساءَ إليكم ، وادخلوا السرورَ على قلوبِ إخوانكم ، وامشوا في قضاءِ حوائجهم ، وكفوا ظالمهم ، وانصروا مظلومهم ، واجبروا خواطرهم ، وابتسموا في وجوهم ، ولا تحقِّروا من المعروفِ شيئاً … أعانني اللهُ وإياكم على الصيامِ والقيامِ ، وتدبرِ القرآنِ ، وجعلني وإياكم ممن يفرحونَ بصومهم عندَ ملاقاةِ ربهم إنه ولي ذلك والقادرُ عليه .
يا باغيَ الخيرِ أقْبِلْ/بقلم: الدكتور عمران صبره الجازوي

