رغم مرور شهرين على بداية الاحتجاجات المعادية للنظام في إيران، لم تعُد الأوضاع في البلاد إلى طبيعتها بعد، ويبقى احتمال تصاعد التظاهرات في أي لحظة وبأي ذريعة وارداً بقوة.

ومع إعادة فتح الجامعات الإيرانية الأسبوع الماضي بعدما أُغلقت لنحو شهرين تقريباً خوفاً من اندلاع احتجاجات طلابية، سُجلت تجمعات وتظاهرات طالبية في جامعات طهران وشريف وأمير كبير وعلم وصنعت وخواجه نصير وشهيد بهشتي في طهران، وفي جامعات مشهد، احتجاجاً على المجزرة التي ارتكبت بحق المتظاهرين الشهر الماضي. وشهدت بعض هذه التجمعات اشتباكات ومواجهات بين الطلاب وقوات الباسيج الموالية للنظام، بعدما أطلقت فيها هتافات تشبه شعارات الثامن والتاسع من يناير/كانون الثاني 2026 في مختلف المدن ضد الجمهورية الإسلامية.

 

 

 

« پرچم شیروخورشید در تجمع بچه‌های دانشگاه شریف» pic.twitter.com/hPWhWOuXcQ

— مملکته (@mamlekate) February 22, 2026

وفي هذه التجمعات الطلابية التي انتشرت أخبارها في الشبكات الاجتماعية والإعلام غير الرسمي، ولم يأت الإعلام الرسمي على ذكرها، ردد الطلاب شعارات ضد المرشد الأعلى علي خامنئي والجمهورية الإسلامية. وفي المقابل، نظم الباسيجيون والطلاب الموالون للنظام تجمعات مضادة أمام الطلاب المحتجين، حاملين علم الجمهورية الإسلامية، وأطلقوا هتافات “الموت لأميركا” و”الموت لإسرائيل” و”الموت للمنافقين”.

وبما أن القانون الإيراني يحظر دخول الشرطة والقوات العسكرية إلى الحرم الجامعي، فإن المؤسسات العسكرية والأمنية تعتمد على تشكيلات تُدعى «الباسيج الطلابي» و«الباسيج الأكاديمي» داخل الجامعات، لتواجه أي احتجاج معادٍ للنظام في الأزمات، وغالباً ما تؤدي هذه المواجهات إلى عنف واشتباكات جسدية.

وبلغت حدة الاحتجاجات الطالبية في اليومين الماضيين درجةً بات مرجحاً معها أن يُعلن عن جعل الفصل الدراسي الجديد في الجامعات الإيرانية – وخاصة في المدن الكبرى مثل طهران ومشهد وأصفهان وشيراز – غير حضوري.

 

مظاهر غريبة

ومن الأمور غير المسبوقة في الاحتجاجات الطالبية الأخيرة إطلاق هتافات دعماً لرضا بهلوي (نجل الشاه محمد رضا بهلوي السابق)، وحمل علم إيران بشعار الأسد والشمس، الذي كان العلم الوطني الرسمي لإيران حتى قبل ثورة 1979 الإسلامية.

وتزامن تجدد الاحتجاجات الطالبية الأخيرة مع مرور أربعين يوماً على مقتل آلاف المراهقين والشباب الإيرانيين في اشتباكات مسلحة في جميع أنحاء إيران، و400 مدينة أخرى في 8 و9 يناير/كانون الثاني. ويدّعي النظام الإيراني أن «إرهابيين مسلحين» هم من قتلوا المتظاهرين، بينما يتهم المعارضون القوات العسكرية والأمنية الحكومية بالمجزرة.

وفي سابقة في إيران، تحولت بعض  مراسم الأربعين للضحايا إلى احتفالات رقص فيها ذوو الضحايا وأصدقاؤهم، بدلاً من إقامة مراسم الحزن التقليدية والدينية المعتادة.

ويُفسر علماء الاجتماع هذا الشكل المختلف لمراسم الحداد على الضحايا بأنه شكل من أشكال الاحتجاج الرمزي ضد النظام وإعلان الرفض للطقوس الرسمية.

وبعد الأحداث الدامية في 8 و9 يناير/كانون الثاني 2026، قطعت المؤسسات الأمنية والعسكرية والشرطية في الجمهورية الإسلامية الإنترنت لمدة 20 يوماً كاملة، لمنع نشر صور وفيديوهات القتلى والجرحى في المجتمع فوراً، وكررت تحذير المواطنين من إرسال هذه الصور إلى وسائل الإعلام المعادية للجمهورية الإسلامية، مهددة بالعقاب. لكن سياسة تصوير الأوضاع على أنها طبيعية، خاصة بعد إعادة وصل الإنترنت، باءت بالفشل، إذ لا يزال الغضب يسود بين الإيرانيين. كما ساهمت المسيرات العديدة التي نظمها الإيرانيون في الخارج في تأجيج هذه الأجواء، وحتى بعد مراسم الأربعينية للقتلى في الأيام الأخيرة، ظل المجتمع الإيراني متوتراً وفي انتظار تغييرات، بحيث لم يعد احتمال عودة الهدوء مرئياً، وأصبح هذا الموضوع نفسه مادة للسخرية الإيرانية على وسائل التواصل الاجتماعي.

انتقادات للمعتقدات الدينية

في موازاة ذلك،  بدأ المعارضون للنظام، وخاصة في الخارج، يوجهون انتقادات للمعتقدات الدينية للإيرانيين، بل السخرية أحياناً. فعلى سبيل المثال، أعلن اللاعب الإيراني الشهير علي كريمي (الذي يقيم في الولايات المتحدة) أنه إذا بدأ النظام الجمهوري الإسلامي بتنفيذ إعدامات بحق المتظاهرين، فسوف يحرق نسخة من المصحف.

 ويؤكد المعارضون “اللادينيون” للجمهورية الإسلامية أنه لإيجاد مسافة مع هذا النظام يجب البراءة من كل ما يروّج له، بما في ذلك الدين والشريعة، وإن يكن ثمة من يرى أن الجمهورية الإسلامية ابتعدت عملياً عن المعايير الدينية، وتستخدم الدين مجرد غطاء للبقاء في السلطة.

وعلى سبيل المثال، أصدر المفكر الإيراني الشهير عبد الكريم سروش نصاً اتخذ فيه موقفاً حاداً ضد «اللادينيين» وأنصار رضا بهلوي ومن يؤيدون هجوم أميركا على إيران.

لذلك، يبدو أنه حتى لو لم تقع حرب ضد إيران، فإن هذا المستوى من الصراعات والخلافات العقائدية والسياسية في إيران التي تعمقت بعد الأحداث الدامية الأخيرة، لن يزول في القريب العاجل، وسيظهر أثره بأشكال مختلفة وبذرائع متنوعة في المجتمع، ما سيؤدي إلى أحداث جديدة.