السودان على حافة الانهيار … أو على أعتاب الميلاد المتجدد
بيان سياسي
أيها السودانيون…
لم تعد أزمتنا مجرد صراع سلطة، ولا خلاف أحزاب، ولا تنازع مدنيين وعسكريين، ولا حتى أزمة اقتصاد منهك أو إدارة فاشلة.
هذه كلها مظاهر سطحية لأزمة أعمق بكثير.
أزمتنا الحقيقية هي أزمة الدولة نفسها. فلقد ظل السودان منذ الاستقلال يدور في حلقة مفرغة: ثورة تعقبها حكومة، ثم صراع، ثم انقلاب، ثم حرب، ثم انهيار… ثم نعود إلى البداية من جديد.
ولم نسأل السؤال الصحيح: لماذا تفشل كل الحكومات مهما اختلفت شعاراتها؟
الجواب واضح اليوم: لأن المشكلة ليست في الحكام او الأحزاب … بل في الدولة التي يحكمون بها. فهي دولة بلا جذور ؛ فالدولة التي نعيش داخلها اليوم لم تنشأ من ثقافة مجتمع السودان، بل نُقلت إليه نقلاً من تجربة استعمارية صُممت للسيطرة لا للبناء. وجدت كدولة مركزية قوية فوق مجتمع متنوع، وهي تحاول إدارة شعب لم تُبنَ مؤسساتها على قيمه وتاريخه وتركيبته الاجتماعية.
فنشأ اغتراب عميق؛ بين المجتمع والدولة ؛ فالمجتمع لا يثق في الدولة، والدولة تخشى المجتمع، والسياسة تحولت إلى صراع للاستيلاء على المركز لا لخدمة الناس.
وهكذا وُلد أكبر وهم سياسي في تاريخنا السياسي؛ اعني وهم الدولة المنقذة؛ فساد الاعتقاد أن تغيير الحكومة يكفي لإنقاذ البلاد. لكن الحقيقة التي أثبتها التاريخ: انه لا يمكن لدولة مريضة أن تنتج حكماً سليماً.
لماذا تتكرر الحروب؟ لأن الدولة أصبحت غنيمة. فكل جماعة سياسية او قبلية او مناطقية تشعر أن نصيبها من السلطة والثروة يمر عبر السيطرة على المركز، فتتحول السياسة إلى صراع وجودي على المركز لا منافسة سلمية.
ولهذا: تتكرر الحروب باسم العدالة، وتتفجر النزاعات باسم الهوية، ويصبح السلاح أقصر طريق إلى الاعتراف السياسي. كل ذلك لأنها أزمة شرعية… لا أزمة إدارة.
لحظة الوعي: هي ان المجتمع قبل الدولة ؛ والخبرة السودانية عبر التاريخ تقول حقيقة بسيطة: فالمجتمع هو الأصل… والدولة خادم له، لا سيد عليه. فحين كانت الروابط الأهلية والتكافل الاجتماعي حية، عاش الناس باستقرار نسبي رغم ضعف السلطة المركزية. وحين تضخمت الدولة وضعف المجتمع، انفجرت الأزمات. لذلك فإن طريق الخلاص يبدأ من إعادة ترتيب العلاقة: فتكون ولاية المجتمع على السلطة، لا ولاية السلطة على المجتمع.
ماذا نريد؟ (ميثاق العيش المشترك ببن السودانيين)
نحن لا ندعو لإسقاط دولة، بل لإعادة تأسيسها على عقد سياسي متجدد بين السودانيين. من خلال
أولاً: دستور يعبر عن المجتمع ؛ دستور ليس مفروضاً من نخبة أو قوة سلاح، او اتفاقيات فوقية؛ بل ميثاقاً حضارياً يعكس: قيم المجتمع، وهويته الثقافية، ومرجعيته الأخلاقية، وتعدده المشروع. فشرعية السياسة يجب أن تكون أخلاقية قبل أن تكون قانونية.
ثانياً: إنهاء احتكار المركز للسلطة، من خلال بناء نظام اتحادي تعاهدي يقوم على مستويين فقط:
الاول : اتحاد تعاهدي سيادي قوي مسؤول عن: الأمن والدفاع، و السياسة الخارجية، وتخطيط الاقتصاد القومي، وحماية الحقوق، وتوزيع الثروة بعدالة. بمعنى دولة تحمي الوطن… لا تهيمن على حياة الناس.
الثاني: حكم ولائي مجتمعي قوي ؛ (٤٥ ولاية) ؛ حيث تُدار حياة الناس اليومية: فى التعليم والخدمات، والتنمية المحلية، والمبادرات المجتمعية، والتكافل الاجتماعي، وصناعة الهوية المشتركة. فتصبح الولايات فضاء المشاركة الحقيقية، لا مجرد إدارات تابعة للمركز.
لماذا هذا الحل عاجل؟ لأن استمرار الدولة بشكلها الحالي يعني:
صراع دائم على السلطة، ويعني اقتصاد حرب مستمر، ويعني تفكك اجتماعي متزايد، واحتمال انهيار الدولة نفسها.
أما إعادة تأسيسها مجتمعياً فتعني: انهاء صراع المركز، وتقليل دوافع الحرب، وإعادة الثقة بين الناس والسلطة، وتحويل السياسة من صراع إلى خدمة عامة.
رسالتنا للنخب والقوى السياسية.
لقد جُرّبت كل الشعارات: اليسار، اليمين، الإسلاميون، القوميون، المدنيون، العسكريون… وفشل الجميع لأنهم عملوا داخل نموذج دولة مأزوم. فيكون المطلوب اليوم ليس تغيير اللاعبين… بل تغيير قواعد اللعبة نفسها.
رسالتنا للشباب
أنتم لستم جيل المستقبل فقط، بل جيل إعادة التأسيس ؛ فمعركتكم ليست ضد أشخاص او أحزاب، بل ضد فكرة الدولة المفصولة عن مجتمعها. فابنوا مجتمعاً قوياً… وستولد دولة عادلة تلقائياً.
النداء الأخير:
السودان اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاستمرار في صراع الدولة المركزية حتى التفكك، أو الانتقال إلى الدولة المجتمعية الحضارية. فلن ينقذ السودان انقلاب جديد، ولا انتخابات بلا أساس جديد، ولا تسوية سياسية مؤقتة ؛ ولا مشروع وطني فى الإطار القديم.
الإنقاذ الحقيقي يبدأ عندما نقول بوضوح: ان الدولة يجب أن تُبنى من المجتمع… لا أن تُفرض عليه. غهذه ليست فكرة نظرية، بل بداية الطريق نحو سودان مستقر، عادل، ومتجدد.
والتاريخ لا ينتظر المترددين.
الدكتور محمد المجذوب