“كم تمنيت لو وافتني المنية… كانت رحلة جحيم”. بهذه الكلمات لخصت امرأة إريترية مأساتها بعد احتجازها لأكثر من ستة أسابيع في منزل يُستخدم للإتجار بالبشر في طبرق، شرق ليبيا، وفق ما أورده تقرير أممي يغطي الفترة من كانون الثاني/يناير 2024 حتى كانون الأول/ديسمبر الماضي حيال أوضاع المهاجرين في البلاد. وأضافت: “اغتصبني رجال مختلفون مرات عديدة. فتيات لا تتجاوز أعمارهن 14 عاماً كنّ يتعرضن للاغتصاب يومياً”.
امرأة إريترية أخرى، نجت سابقاً من تشويه الأعضاء التناسلية، كشفت أنها وصديقتها تعرضتا لشق قسري بسكين على أيدي تجار البشر لتمكينهم من اغتصابهما، قبل أن تتوفى صديقتها لاحقاً نتيجة نزيف حاد.
وتؤكد ناجية أخرى، كانت محتجزة في أحد المستودعات، أن رجالاً مسلحين كانوا يقتادون النساء ليلاً لاغتصابهن وتعذيبهن وضربهن أمام الآخرين. وقالت: “تعرضت للاغتصاب مرتين في ذلك المستودع أمام بناتي ومهاجرين آخرين. حاول رجل سوداني مساعدتي وإيقافهم، لكنه تعرض للضرب المبرح. أصيبت ابنتي بالصدمة ولا تزال تسألني عن تلك الليلة”.
انتهاكات ممنهجة وشبكات متورطة
ويستند التقرير الصادر عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان وبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا إلى مقابلات أُجريت مع نحو 100 مهاجر وطالب لجوء من 16 دولة. وقد وثّق انتهاكات ممنهجة وقاسية، تشمل القتل والتعذيب والعنف الجنسي والاتجار بالبشر. ويخلص إلى أن “المهاجرين يُجمعون ويُختطفون على أيدي شبكات إجرامية للاتجار بالبشر، غالباً ما تكون لها صلات بالسلطات الرسمية الليبية وبشبكات إجرامية في الخارج”. كما يوضح كيف يُفصل الضحايا عن أسرهم، ويُلقى القبض عليهم ويُنقلون إلى مرافق احتجاز من دون مراعاة للإجراءات القانونية الواجبة، وغالباً تحت تهديد السلاح.
داخل أماكن الاحتجاز، يتعرض المهاجرون لانتهاكات مروعة بشكل روتيني، من بينها التعذيب، والعمل القسري، والإجبار على الدعارة، والابتزاز مقابل فدية. وأفاد 45 من أصل 50 رجلاً قابلتهم البعثة الأممية بتعرضهم للتعذيب كوسيلة للابتزاز، فيما أُجبرت أسرهم على دفع مبالغ تراوحت بين 500 و10 آلاف دولار أميركي مقابل إطلاق سراحهم.
مهاجرون داخل أحد مراكز الاحتجاز في ليبيا. (وزارة الداخلية الليبية).
بيع البشر في الأسواق
وفي حادثة موثقة تعود إلى كانون الثاني/يناير 2024، اختُطف ما لا يقل عن 250 مهاجراً، معظمهم من جماعتي الهوسا والطوارق، لدى وصولهم من النيجر ونيجيريا إلى نقطة تفتيش حدودية في جنوب غرب ليبيا. ونُقلوا إلى منطقة أم الأرانب، على بعد 150 كيلومتراً من سبها، في مركبات عسكرية تابعة للجيش الوطني الليبي. وكان نحو 70 في المئة منهم أطفالاً، واحتُجزوا قرابة 15 يوماً قبل نقلهم إلى فندق الجبل. وبحسب ما ورد، بيع ما لا يقل عن 100 منهم في أسواق قريبة، من بينهم طفل واحد على الأقل بيع مقابل 1200 دينار ليبي (نحو 190 دولاراً أميركياً) لمزارع محلي. كما أفاد ناجون بأنهم احتُجزوا في ما يُعرف بـ”المخازن”، وهي مواقع موقتة يستخدمها المهربون وتجار البشر لاحتجاز المهاجرين في مستودعات أو مزارع أو مساكن حضرية منتشرة في أنحاء ليبيا.
وقال مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك: “لا توجد كلمات تصف الكابوس اللامتناهي الذي يُجبر هؤلاء الناس على العيش فيه لإشباع جشع المتاجرين بالبشر ومن يستفيدون من نظام قائم على الاستغلال”. فيما أكدت الموفدة الأممية إلى ليبيا هانا تيتيه أن مرافق الاحتجاز أصبحت “بيئة خصبة لارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان” تستهدف أشخاصاً يعيشون أوضاعاً شديدة الهشاشة.
أسماء متهمة وتأثير محدود
ويشير الحقوقي الليبي المتخصص في قضايا الهجرة طارق لملوم، في حديثه مع “النهار”، إلى أن التقرير لم يكتفِ بوصف الانتهاكات، بل أورد أسماء مسؤولين مرتبطين بإدارة مرافق احتجاز، إلى جانب أشخاص خاضعين لعقوبات أممية بتهم الإتجار بالبشر. لكنه يقلل من تأثير التقرير على الواقع الحقوقي، معتبراً أن ما ورد فيه “ليس جديداً لدى الأوساط الحقوقية”، وإن كان يُحرج الاتحاد الأوروبي المتعاون مع السلطات المحلية.
ويرى لملوم أن التقرير، رغم أهميته، قد لا يفضي سريعاً إلى عقوبات أو ملاحقات دولية، بل يظل في إطار التوصيات التي يفترض بالسلطات الليبية التعامل معها بجدية.

