تم تحديثه الجمعة 2026/2/27 01:03 ص بتوقيت أبوظبي


في جنوب غرب قطر، وتحديداً في منطقة تُسمى المسحبية، يستطيع علماء الحفريات الكشف عن أنواع مختلفة وفريدة من الكائنات الحية التي جابت الأرض قبل ملايين السنين.

تُعد منطقة المسحبية من أكثر المناطق تميزًا؛ إذ تضم أغزر تجمع لعظام أبقار البحر الأحفورية في العالم، الأمر الذي حفز التعاون بين متحف قطر ومتحف التاريخ الطبيعي التابع لمؤسسة سميثسونيان؛ للتنقيب على تلك الحفريات وكشف المزيد حولها، خاصة وأنّ أبقار البحر لعبت دور “مهندسي النظام البيئي”؛ إذ كانت ترعى في أنظمة الأعشاب البحرية، وتساهم في إعادة تشكيل قاع البحر. وهذا يؤكد أنّ الخليج العربي قد كان موطنًا لأنظمة أعشاب البحر منذ ملايين السنين، وأنّ أبقار البحر ساهمت في الحفاظ على تلك المروج عبر العصور المختلفة.

واستطاع فريق البحث العثور على حفريات لنوع من أبقار البحر في منطقة المسحبية، أُطلق عليه اسم “سلوى سايرِن قطرنسيس” (Salwasiren qatarensis)، وعاش هذا النوع قبل نحو 21 مليون سنة. ونشر الباحثون نتائجهم في دورية (PeerJ) في 10 ديسمبر/كانون الأول 2025. يساعد هذا الاكتشاف أيضًا على فهم طبيعة أنظمة الأعشاب البحرية، وكيفية استجابتها للتغيرات البيئية والمناخية.

حاورت “العين الإخبارية” أمين قسم الثدييات البحرية الأحفورية في المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي التابع لمؤسسة سميثسونيان، والمؤلف الرئيسي للدراسة، الدكتور “نيكولاس د. باينسون” (Nicholas D. Pyenson)، في حوار حصري؛ ليُخبرنا عن تفاصيل الاكتشاف، ورؤاه لاكتشافات الأحافير في منطقة الخليج العربي، ودور علم الأحافير في الكشف عن مستقبل مناخ الأرض.

إليكم نص الحوار..

1- حدثنا قليلاً، كيف اكتشفتم هذه الأحافير، وهل كانت عملية التنقيب صعبة بسبب طبيعة التربة في قطر؟

حسناً، يعود أقدم وصف لموقع عظام المسحبية إلى المسوحات الجيولوجية الأولى التي أُجريت في قطر في حقبة سبعينيات القرن العشرين. في تلك الأثناء، وبينما كانت الجهود موجهة لتوسيع البنية التحتية للنفط والتعدين في المنطقة، وصف الجيولوجيون صخور جنوب غرب قطر بأنها غنية بعظام الزواحف بالإضافة إلى أحافير بحرية أخرى، بما في ذلك أسنان أسماك القرش المتحجرة وبقايا متحجرة قديمة أخرى. وقتها، لم تلقى عظام الزواحف باهتمام كبير؛ إذ لم تكن أحافير الفقاريات ذات أهمية كبيرة لاستكشاف النفط والتعدين.

وبعد ذلك بفترة، قبل نحو 20 عاماً تقريباً، لاحظ أحد مؤلفينا المشاركين أن الأحافير لا تعود إلى زواحف، بل إلى أبقار البحر، وأنها تستحق دراسة متعمقة. تلك هي الملاحظة التي دفعت فريقنا للانطلاق في هذا المسار.

لم تكن عملية التنقيب سهلة؛ بسبب الحرارة الشديدة وهشاشة الأحافير. لذلك، استخرجنا الأحافير التي جمعناها على شكل كتل صخرية كبيرة. بعد ذلك، أخذناها إلى المختبر لإجراء تحضيرات أكثر دقة وعناية.

ما زالت الأحافير المتبقية في موقعها الأصلي ضمن منطقة محمية الجنوب في قطر، وهي محمية من قبل وزارة البيئة والتغير المناخي. هذه المنطقة غير متاحة للجمهور، ولحسن الحظ أنّ بعض هذه الأحافير تُعرض في متحف قطر الوطني، كما أنّ متاحف قطر تصنف المنطقة التي تضم أعلى كثافة من الأحافير كمحمية تراث طبيعي.

2- وكيف حددتم أنّ هذه العظام تنتمي إلى نوع جديد “سلوى سايرِن قطرنسيس” (Salwasiren qatarensis)؟

بمجرد أن عدنا للمختبر، شرعنا في عمل دقيق ومطوّل لإزالة الصخور التي كانت تحجب العظام الأحفورية، ما كشف عن تشريح الهيكل العظمي. بعد ذلك، قمنا بقياس العظام والأسنان، ما مكّنا من تصنيف خصائصها من خلال تحليل يُنتج مخططًا للعلاقات التطورية بين الأنواع الأخرى وثيقة الصلة. تُسمى هذه العملية بالتحليل الوراثي.

أود أن أشير هنا إلى أنّ حيوان سلوى سايرِن، يرتبط بصلة قرابة بعيدة مع بقر البحر الحالي والمنتشر بكثرة في الخليج العربي، لكن حيوان سلوى سايرِن كان أصغر حجمًا، وله أطراف خلفية قصيرة، لكن أنيابه كانت تشبه أنياب بقر البحر.

ويُعد حيوان سلوى سايرِن من أصغر أنواع أبقار البحر التي تم اكتشافها على الإطلاق. وفي أثناء حياته، كان وزنه يُعادل نحو 250 رطلًا (أي نحو 113 كيلوغراماً)، وهو تقريبًا وزن قريب من وزن الباندا البالغ. قد يبدو ذلك وزنًا كبيرًا، لكن وزن بقر البحر اليوم يتراوح بين ضعفين إلى ثمانية أضعاف ذلك.

وكان من السهل تمييز حيوان سلوى سايرِن، الذي عاش قبل أكثر من 21 مليون عام، عن أبقار البحر بوجود أطرافه الخلفية الصغيرة.

لقد قمنا بإعادة بناء هذه الأطراف لتشبه زعانف مصغرة؛ أما أبقار البحر الموجودة اليوم، فقد فقدت عظام أطرافها الخلفية تماماً، كما هو الحال مع الحيتان، على مدى ملايين السنين من التطور.

3- هل واجهتكم أيّة تحديات في تقدير عمر الأحافير أو تحديد الفترة الزمنية بدقة؟

لحسن الحظ، لدينا زميلنا “جاك لوبلانك” (Jacques LeBlanc)، والذي عمل لسنوات عديدة لفهم عمر الصخور في قطر؛ لتحديد العمر الجيولوجي للأحافير. وهنا تجدر الإشارة إلى أنّ بعض الصخور المكشوفة على اليابسة في قطر أقدم بكثير من صخور المسحبية، بينما قد تكون الصخور في جنوب غرب قطر أحدث بكثير.

غالبًا، يتم تحديد عمر موقع الأحافير في المسحبية من خلال دراسات النظائر الكيميائية في الأصداف الأحفورية، ومقارنة الصخور التي تم تجميع هذه الأصداف منها في مواقع مختلفة. ويستطيع الجيولوجيون استنتاج عمر الصخور من هذا النوع خلال العمل. يمكنني القول أنّ الأمر أشبه بمقارنة كتب تحتوي على فصول متشابهة، لكن بأطوال مختلفة.

4- كيف يمكن التأكد من أن هذه الحيوانات كانت تتغذى على الأعشاب البحرية مثل بقر البحر الحديث؟

بحسب ما توّصلنا إليه، كان لدى حيوان سلوى سايرِن أنف منحني قليلاً وأنياب صغيرة، لكن أبقار البحر الحالية؛ فلديها أنف منحني بشدة مع أنياب رفيعة بحجم الإصبع. وفي بعض أنواع أبقار البحر الأحفورية (بما في ذلك تلك الموجودة في وحدات صخرية مماثلة في العمر في الهند)، كانت أنيابها أكبر بكثير يشبه النصل، أشبه قليلاً بإزميل البناء.

وهنا أود أن أشير إلى أنه ليس من الغريب أن يكون لأبقار البحر أنياب؛ نظراً لعلاقتها الوثيقة بالفيلة، لكن أبقار البحر قد تخلت عن الحياة على اليابسة قبل حوالي 50 مليون سنة.

إضافة إلى ذلك، وجدنا أيضاً أضراساً لحيوان سلوى سايرِن، وهي تشبه أضراس أبقار البحر إلى حد كبير. لذلك، من خلال الأنياب والأضراس، عرفنا أن سلوى سايرِن كان حيواناً يتغذى على الأعشاب.

وأخيرًا، تتشابه كثافة الأحافير في منطقة المسحبية مع كثافة جثث أبقار البحر في شمال غرب قطر اليوم. وتُشير أنيابه وشكل أنفه إلى أنه كان مهندساً بيئياً لأنظمة الأعشاب البحرية في أوائل العصر الميوسيني.

5- هل يمكن لهذه الأحافير أن تُوضح الظروف البيئية للخليج العربي قبل ملايين السنين، مثل مستوى الملوحة أو توزيع الأعشاب البحرية أو الكائنات البحرية الأخرى؟

عاش حيوان سلوى سايرِن مع أنواع أخرى من الفقاريات البحرية من العصر الميوسيني المبكر، مثل: أسماك القرش والدلافين المنقرضة والأسماك الشبيهة بالباراكودا، وربما بعض السلاحف، وما زلنا نعمل على تحديد هوية تلك السلاحف، والتي نأمل بوصفها في دراسات مستقبلية.

ومن اللافت للنظر أيضًا أنّ جميع تلك الأنواع الأحفورية قد انقرضت، ويمثلها اليوم أنواع أخرى غير مرتبطة بها في الخليج. بعبارة أخرى، يمكنني القول أنّ ما حدث استبدال كامل للكائنات الحية التي ساهمت في التطور، ولكن ليس لأدوارها البيئية.

وقد توصلنا في دراستنا إلى أنّ كثافة طبقة الأحافير في المسحبية، تُعطينا دليلًا قويًا على أنّ حيوان سلوى سايرِن، قد لعب دورًا محوريًا في هندسة النظام البيئي للأعشاب البحرية في أوائل العصر الميوسيني، تمامًا كما تفعل أبقار البحر اليوم.

وهذا الاستنتاج يتوافق مع ذروة التنوع البيولوجي البحري خلال تلك الفترة، والتي تركزت فوق الدرع العربي في أوائل العصر الميوسيني، بعدما انتقلت من أوروبا قبل عشرات الملايين من السنين نحو مركزها الحالي في أرخبيل الهندو-أسترالي.

وأود أن أضيف أيضًا أنّ الصخور التي تحتفظ بأحافير المسحبية منتشرة على نطاق واسع في الخليج العربي من المملكة العربية السعودية إلى سلطنة عمان. وتلك الصخور تعكس بيئة ساحلية متشابهة من نفس الحقبة، ما يعني أنها كانت جميعها جزءًا من نفس الخط الساحلي. غالبًا يتم العثور على أحافير أبقار البحر في مجموعات تضم أنواعًا متعددة. لذلك، لن نتعجب من العثور على المزيد من أنواع أبقار البحر في أماكن أخرى من المنطقة.

ونعتقد أنّ المزيد من عمليات جمع الأحافير في منطقة السحبية قد يكشف عن أنواع إضافية من أبقار البحر. لذلك، نتوقع العثور على أحافير لأبقار البحر من أوائل العصر الميوسيني في مصر؛ خاصة في أماكن مثل المغرة بالقرب من منخفض القطارة.

6- هل تعتقد أن هذه المعلومات قد تساعدنا في فهم التغيرات البيئية الحالية أو في حماية النظام البيئي البحري اليوم؟

الدرس المستفاد من حيوان سلوى سايرِن، والذي يُعد مهندس للنظام البيئي، هو أنّ تلك الكائنات لطالما دعمت نظامًا بيئيًا مزدهرًا للأعشاب البحرية في هذه المنطقة.

اليوم، يُعد الخليج أسخن بحار العالم، وفي نفس الوقت، يُشكل تغير المناخ تحديًا كبيرًا للقدرات الفسيولوجية للعديد من الكائنات البحرية بما فيها أبقار البحر. وذلك إلى جانب التهديدات الأخرى، مثل التلوث والتشابك في الشباك والاصطدام بالسفن، وكلها عوامل تؤدي إلى ارتفاع معدلات النفوق. ما زلنا نتعلم المزيد عن بيولوجيا أبقار البحر في الخليج، بما في ذلك هجرتها وتوزيعها وصحتها.

وبما أنّ أبقار البحر تعزز قدرة حقول الأعشاب البحرية لتخزين الكربون؛ فأرى أنه هناك حاجة لإعطاء الأولوية لحمايتها في جميع أنحاء نطاق انتشارها بالخليج؛ فهذا مفيد للجميع في المستقبل.

7- ما أهمية اكتشاف هذا النوع وإضافته إلى السجل العلمي في تعزيز فهمنا لماضي النظام البيئي البحري؟

في الحقيقة، لم يغب عن بالنا أننا اكتشفنا سلفًا بعيدًا لأبقار البحر الحالية في صخور تبعد أقل من 10 أميال عن خليج توجد فيه حقول أعشاب بحرية تُشكّل موطنها الأساسي اليوم. ويتشارك هذا الموطن في خليج سلوى مع 3 دول، وهي قطر والبحرين والمملكة العربية السعودية، ما يجعله مرشحًا رائعًا لإنشاء حديقة سلام ثلاثية الأطراف.

في رأيي أنّ هذا الجزء من العالم، لطالما كان موطنًا رئيسيًا لأبقار البحر على مدى آخر 21 مليون سنة، لكن دور أبقار البحر قد شغلته أنواع مختلفة على مدار الزمن.

8- لماذا قد يكون علم الأحافير مفيدًا لفهم تغير المناخ؟

حسنًا، تخبرنا الأحافير عن الحياة في الماضي الجيولوجي، بما في ذلك فترات كان فيها مناخ الأرض ومحيطاتها مختلفين تمامًا عن الظروف التي نشهدها اليوم.

ومن المعروف أنّ العديد من التنبؤات بتغير المناخ في المستقبل، تتطابق مع فترات زمنية في الماضي الجيولوجي، من حيث مستوى سطح البحر ودرجة الحرارة وبعض المتغيرات الأخرى، ما يعني أنه إذا أردنا معرفة الاستجابة البيولوجية المستقبلية لتلك الظروف؛ فعلينا أن ننظر في كيفية استجابة الكائنات الحية في الماضي.

وهنا لأطرح مثالًا؛ خلال العصر الميوسيني المبكر، كان المناخ أكثر دفئًا مما هو عليه اليوم، وإذا أردنا التنبؤ بمستقبل مناخنا؛ فإنّ تكوين صورة كاملة للتنوع البيولوجي من ذلك الوقت، يمكنه أن يساعدنا في توجيه التنبؤات لعالمنا.

aXA6IDE1NC43My4yNDguNDUg.