بعد انتهاء الألعاب الأولمبية الشتوية، خرجت شركة إينيل، المورد الرئيسي للطاقة، بإنجاز ضخم، وهو توفير كهرباء منخفضة الكربون 100% للدورة.
غير أن هذا الإعلان يفتح بابًا لنقاش أوسع، إذ إن تحقيق هذه النسبة الكاملة لم يكن ممكنا عمليا إلا بالاعتماد على أداة مثيرة للجدل، وهي أرصدة الكربون.
وفقا لموقع “Oil Price”، أفادت شركة الطاقة العملاقة بأنها زودت الألعاب الأولمبية والبارالمبية بنحو 85 غيغاواط من الكهرباء، إلا أن هذه الكمية لم تأتِ بالكامل من محطات طاقة الرياح والطاقة الشمسية. فجزء منها أنتج بالفعل من مصادر متجددة، بينما جاء الجزء الآخر من محطات توليد تقليدية، جرى «تنقيته» عبر شهادات تُعرف بـ«ضمان المنشأ».
كارثة مناخية.. نفط فنزويلا يهدد 13% من ميزانية الكربون العالمية.
وتعادل كل شهادة ضمان منشأ 1 ميغاواط/ساعة من الكهرباء المنتجة من مصادر منخفضة الكربون، باستثناء الطاقة النووية. ولا تورّد الكهرباء ذاتها بالضرورة إلى مشتري الشهادات، بل تُستخدم هذه الشهادات لإثبات توليد طاقة نظيفة في مكان ما، بما يعوض نظريًا الكهرباء عالية الكربون التي قد يضطر المشتري إلى استخدامها لضمان استقرار الإمدادات.
وأعلنت إينيل هذا الأسبوع عزمها استثمار نحو 53 مليار يورو في مشروعات جديدة بين العام الجاري وعام 2028، من بينها 20 مليار يورو مخصصة لتطوير طاقتي الرياح والطاقة الشمسية.
كما تستهدف الشركة إضافة نحو 15 غيغاواط من القدرة الإنتاجية الجديدة، لا سيما في أوروبا. ويبدو أن إينيل باتت تفضل توليد الكهرباء منخفضة الكربون بنفسها بدلا من الاكتفاء بشراء شهادات الطاقة المتجددة، وذلك لأسباب عملية واستراتيجية وجيهة.
شهادات الكربون، أو أرصدة الكربون، أو تعويضات الكربون، جميعها تدور حول فكرة واحدة، وهي تعويض الانبعاثات عبر آلية مالية، تستخدم لتحسين السجل البيئي للشركات.
وفي الواقع، يحقق مشغلو محطات الرياح والطاقة الشمسية أرباحا كبيرة من بيع هذه الشهادات لشركات أخرى، من بينها شركات التكنولوجيا العملاقة التي كانت، حتى وقت قريب، على استعداد لدفع مبالغ ضخمة لإظهار أن معظم كهربائها يأتي من مصادر منخفضة الكربون، حتى وإن لم يكن ذلك يعكس الواقع الفعلي لشبكات الإمداد.
وبالإضافة إلى شهادات طاقة الرياح والطاقة الشمسية، ظهرت مشروعات عديدة تعد بتعويض قدر معين من الانبعاثات عبر زراعة الأشجار أو حماية النظم البيئية. وقد اعتبرت تعويضات الكربون سوقا واعدة مرشحة لنمو كبير في ظل التحول العالمي نحو الاقتصاد الأخضر، قبل أن تكشف تحقيقات متعددة عن ضعف مصداقية بعض هذه الادعاءات.
وأدت نتائج تلك التحقيقات إلى تراجع الحماس تجاه تعويضات الكربون، وتشديد معايير الرقابة والمساءلة، فضلا عن انكماش سوق التعويضات. بل إن بعض نشطاء المناخ يعارضون هذه الآليات من الأساس، معتبرين أن شراء الشهادات لا يؤدي إلى خفض فعلي وملموس في استهلاك النفط الخام والغاز الطبيعي.
وتتجلى صعوبة الاعتماد الكامل على طاقتي الرياح والطاقة الشمسية في التقرير السنوي للشركة نفسها؛ إذ أشارت إينيل إلى أن 66% من الكهرباء التي أنتجتها عام 2025 جاءت من مصادر منخفضة الكربون.
غير أن نصف هذه النسبة تقريبا كان من الطاقة الكهرومائية، و17% من الطاقة الحرارية الأرضية، و10% فقط من طاقتي الرياح والطاقة الشمسية.
ورغم أن الطاقة الكهرومائية تعد منخفضة الكربون، فإنها لا تحظى بالاهتمام نفسه الذي تناله الرياح والطاقة الشمسية، واللتان تستقطبان معظم الاستثمارات وتستأثران بالحصة الأكبر من شهادات الطاقة، في وقت يشهد توجها سياسيا أوروبيا متحفظا تجاه إنشاء محطات كهرومائية جديدة، بل وحتى تجاه الإبقاء على بعض المحطات القائمة.
وفي سياق متصل، أعلنت إينيل هذا الأسبوع إبرام صفقة للاستحواذ على 830 ميغاواط من طاقة الرياح والطاقة الشمسية في الولايات المتحدة.
وقد يرى البعض أن الاستثمار في هذا القطاع داخل السوق الأمريكية حاليًا ينطوي على قدر من المخاطر، إلا أن الشركة اختارت توسيع محفظتها في هذا المجال تحديدا.
وربما لا يرتبط ذلك مباشرة بشهادات الكربون، وربما يرتبط بها جزئيا. لكن المؤكد أن وجود هذه الشهادات بحد ذاته يعكس أن تصور شبكة كهرباء تعتمد كليا على طاقتي الرياح والطاقة الشمسية، مع قدر محدود من الطاقة الكهرومائية والنووية لتحقيق التنوع، لا يزال بعيدا عن أن يصبح واقعًا عمليًا مكتمل الأركان.

