أصبح تعطل تدفقات الطاقة في الشرق الأوسط العامل الفاصل في تحديد اتجاه مخاطر الائتمان العالمية، بعد أن دفع التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى الأسواق إلى إعادة تسعير المخاطر الجيوسياسية بوتيرة متسارعة.

أشار تحليل صادر عن وكالة «موديز» إلى أن الأسواق تتصرف حالياً على افتراض أن الصراع سيكون محدود الأمد. غير أن أي تعطّل ممتد، ولا سيما في «مضيق هرمز»، قد ينقل الصدمة من نطاق تقلبات سعرية إلى حدث ائتماني واسع النطاق يطال الدول، والأنظمة المصرفية، وسلاسل الإمداد العالمية.

«مضيق هرمز» في قلب المعادلة

تراجعت حركة الملاحة عبر «مضيق هرمز» إلى مستويات شبه متوقفة مع انسحاب شركات التأمين البحري وتجنب شركات الشحن المرور في المنطقة. كما علّقت موانئ عدة عملياتها، فيما خضعت مساحات واسعة من المجال الجوي في الشرق الأوسط لإغلاقات أو قيود مشددة.

ورغم أن البنية التحتية الأساسية للطاقة لم تتعرض لاستهداف مباشر، فإن الوكالة ترى أن الصراع تجاوز الإطار الجيوسياسي النظري، ليتحول إلى تعطّل فعلي في منظومة التجارة والنقل والطاقة.

وأكدت «موديز»، أنه على المدى القصير، توفر المخزونات النفطية الموجودة خارج الخليج، بما في ذلك الشحنات التي غادرت قبل الضربات، هامش امتصاص أولي، في تكرار للآلية التي ساعدت على احتواء تداعيات هجوم 2019 على منشآت نفطية سعودية. كما أن زيادة إنتاج «أوبك+» المقررة بواقع 206 آلاف برميل يومياً اعتباراً من أبريل تمثّل عامل تخفيف إضافياً، وإن كان محدود القدرة على تعويض تعطّل طويل الأمد.

وتوقعت الوكالة أن يستمر الصراع أسابيع لا أشهر، ما يسمح باستئناف الملاحة تدريجياً ويحدّ من الانعكاسات الائتمانية على الجهات المصنّفة. إلا أن السيناريو البديل، في حال طال أمد التعطل، يحمل تبعات أعمق؛ منها ارتفاع مستدام في أسعار النفط، واتساع فروق العائد في أسواق السندات مرتفعة المخاطر، وتشدد شروط إعادة التمويل للشركات ذات الاستحقاقات القريبة، الى جانب تصاعد نفور المستثمرين من المخاطر عبر الأسواق العالمية.

كما حذّرت «موديز» من أن استمرار الصدمة سيعقّد مسار أسعار الفائدة وقرارات البنوك المركزية، مع انتقال صدمة عرض تضخمية إلى الاقتصاد الكلي، بما يحدّ من هامش المناورة أمام صناع السياسة النقدية.

صورة جوية أرشيفية تظهر مضيق هرمز مزدحماً بناقلات النفط والسفن المصدر: Shutterstock

تباين الانكشاف السيادي في المنطقة

سلط التقرير الضوء على تباين واضح في درجة التعرض بين الاقتصادات الإقليمية، إذ تواجه إسرائيل مخاطر أمنية متزايدة، إلا أن اقتصادها وماليتها العامة أظهرا تاريخياً قدرة على امتصاص الصراعات القصيرة. غير أن امتداد المواجهة سيؤثر في الاستثمار والسياحة ويرفع الإنفاق الدفاعي.

بالنسبة لمصدّري النفط، يُعد العراق والبحرين الأكثر هشاشة نظراً لاعتمادهما الكبير على العائدات الهيدروكربونية واعتمادهما شبه الكامل على «مضيق هرمز» للتصدير، إضافة إلى محدودية هوامش الحماية المالية. في المقابل، تتمتع الإمارات والكويت وقطر باحتياطيات مالية توفر قدرة امتصاص، بينما تملك السعودية والإمارات بدائل جزئية عبر خطوط الأنابيب.

أما الدول المستوردة للطاقة، مصر والأردن ولبنان وتركيا، فستنتقل إليها الصدمة عبر ارتفاع كلفة الواردات، واتساع العجز الخارجي، وتشديد شروط التمويل. كما أن القيود الممتدة على المجال الجوي ستضغط على إيرادات السياحة والخدمات، حتى في الاقتصادات غير المنخرطة مباشرة في العمليات العسكرية.

وفي المقابل، ترى الوكالة أن عُمان قد تستفيد نسبياً من ارتفاع الأسعار، نظراً لعدم اعتمادها على «مضيق هرمز» في تصدير نفطها.

وأشارت «موديز» إلى بدء ظهور مؤشرات توتر في ثقة الأسواق، في دلالة على انتقال الصدمة من الجغرافيا إلى المنظومة المالية.

كما أن إعادة تسعير علاوات المخاطر قد تضغط بقوة على الدول ذات المراكز المالية الضعيفة واحتياجات التمويل المرتفعة، خصوصاً العراق والبحرين، فيما قد تتراجع احتمالات التقدم في إعادة هيكلة ديون لبنان هذا العام.

القطاعات الأكثر تعرضاً

تتقدم قطاعات الطيران والسياحة والخدمات اللوجستية قائمة المتضررين، نتيجة إغلاق الأجواء وتراجع حركة السفر وتعطل العمليات في مراكز رئيسية.

وبحسب التقرير ستتعرض الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة في أوروبا وآسيا لضغوط إضافية، خصوصاً الشركات ذات القدرة المحدودة على تمرير ارتفاع التكاليف أو التي تواجه استحقاقات تمويل قريبة.

أما مشاريع البنية التحتية المرتبطة بالطاقة والنقل البحري والغاز المسال، فقد تواجه مخاطر تشغيلية، وإن كانت هياكل التمويل القائمة على بنود القوة القاهرة تحدّ من الأثر الفوري على التدفقات النقدية.

موجة مخاطر ثانية

لا تتوقع «موديز» تدهوراً فورياً في الجدارة الائتمانية للبنوك من الجولة الأولى للصدمة، إلا أن استمرار التعطل قد يؤدي إلى تباطؤ اقتصادي أوسع، وتراجع شهية المستثمرين، وضغوط على السيولة، لا سيما في الأنظمة المعتمدة على الودائع الأجنبية الحساسة للتطورات الجيوسياسية.

أما شركات التأمين، فستأتي المخاطر أساساً عبر تراجع قيمة الأصول الاستثمارية، خصوصاً العقارية، فيما يبقى الأثر المباشر على الاكتتاب محدوداً نسبياً نظراً لاستثناء مخاطر الحرب عادة من وثائق التأمين القياسية.

في المقابل، يتتوقع أن تستفيد شركات الدفاع ومنتجو الطاقة ذوو القدرة التصديرية المتنوعة من البيئة الحالية.

كما أكدت «موديز» أن احتمال انتقال سياسي غير منظم في إيران، سواء عبر فراغ في السلطة أو تفكك مؤسسي أو صراع داخلي، يمثل عاملاً مضاعفاً للمخاطر، إذ قد يثير تساؤلات حول إدارة الأصول العسكرية ومخزون اليورانيوم المخصب، ويُبقي مستويات نفور المخاطر مرتفعة حتى في حال تعافي تدفقات الطاقة.

ما الذي تراقبه الأسواق الآن؟

تركّز الأسواق على مؤشرات تشغيلية ومالية وسياسية ستحدد ما إذا كانت الصدمة عابرة أم بنيوية. وتشمل مدة الإغلاق الفعلي لـ«مضيق هرمز»، وعودة أو استمرار سحب التأمين البحري، والتغيرات في أنماط الشحن، وسرعة استنزاف المخزونات النفطية خارج الخليج، ومدى استخدام خطوط الأنابيب البديلة للحفاظ على الإمدادات، إضافة إلى أوضاع أسواق التمويل ومدى تشددها.

بالتوازي، يراقب المستثمرون احتمال استهداف أصول غير عسكرية بهدف تعظيم الاضطراب الاقتصادي، فضلاً عن إشارات عملية الخلافة السياسية داخل إيران وتوجهاتها الاستراتيجية.

وأشارت «موديز» إلى أن الصراع دخل بالفعل مرحلة إعادة تسعير للمخاطر، إلا أن الحكم النهائي على أثره الائتماني سيعتمد على عامل واحد: مدة اضطراب الطاقة واستقرار المشهد السياسي.

فإذا احتُوي التعطل سريعاً، قد تبقى الأزمة ضمن نطاق صدمة مؤقتة. أما إذا طال أمدها أو تفاقم الغموض السياسي، فقد نشهد بداية دورة ائتمانية جديدة تقودها مخاطر العرض الجيوسياسية وتقييد السيولة العالمية.