برز نمط غريب في مفاوضات ما قبل “الغضب الملحمي“: التجاهل شبه الكامل لملف الصواريخ الباليستية الإيرانية. حضر الموضوع أكثر في الكلمات العامة، كما كان الأمر في خطاب حال الاتحاد، عندما قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن الصواريخ الإيرانية قد “تطال قريباً” الولايات المتحدة.

 

مع ترجيح عودة الأميركيين والنظام الإيراني إلى طاولة المفاوضات مجدداً، أكان بعد أيام أو أسابيع، سيكون مستحيلاً تجاهل الترسانة الصاروخية الإيرانية. أكدت الحرب الحالية أن تلك الترسانة لم تكن دفاعية، وإنما أداة ابتزاز إقليمي. وباختصار، كانت أداة دعم لتصدير الثورة.

 

نَفَسُها قصير هذه المرة

بالرغم من الجهود التي بذلتها دول الخليج العربي لتفادي الحرب الأميركية على إيران، استهدفت الأخيرة جيرانها بالصواريخ والمسيّرات. والمراكز المدنية كانت في طليعة الأهداف الإيرانية. مثّل ذلك علامة ضعف واضحة. النظام الذي تباهى بقدرته على التحكّم بسلّم التصعيد سارع مباشرة إلى قصف الخليج، ظناً منه أن مجلس التعاون سيضغط سريعاً على الإدارة لوقف الحرب. لم يكن ذلك الخطأ الأول في حسابات طهران. وهو بالتأكيد كشف أن “نَفَسَ” النظام ليس طويلاً.

 

صواريخ إيرانية (أ ب).

 

لم يكن استهداف الخليج العربي الحالة الأولى التي تنفذ فيها إيران هجوماً على طرف لم يشارك في الاعتداء عليها. خضعت إربيل العراقية لضربات صاروخية إيرانية متكررة تحت ذريعة استهداف “الموساد”. في جميع الأحوال، حتى لو قرر الإيرانيون في المستقبل تحييد جيرانهم عن الصواريخ، وثمة أسباب كثيرة للتقليل من هذا الاحتمال، لن يكون بإمكان واشنطن تجاهل الترسانة الباليستية الإيرانية لفترة طويلة. ولا قصيرة.

 

فالزمن يصبّ في مصلحتها

كانت إيران ما بعد الثورة بحاجة إلى استنساخ صواريخ حصلت عليها من ليبيا وسوريا وكوريا الشمالية خلال الحرب مع العراق، لتصنيع مخزونها الخاص. وعملت أيضاً على هندسة عكسية لصواريخ سوفياتية قديمة كما حصل مع صواريخ “زلزال”، أو كورية شمالية كما هي الحال مع “خرمشهر”. في غضون 25 عاماً تقريباً، غدا بعض صواريخها، مثل “سجّيل”، قادراً على الوصول إلى مناطق في شمال أوروبا، بحسب موقع الإطلاق.

 

وبعد الاتفاق النووي سنة 2015، راحت إيران تخفف التركيز على مدى صواريخها، في مقابل العمل أكثر على تطوير الدقة. وليس الدقة فقط، بل المناورة أيضاً. وهذا دليل تاريخي على أن النظام يعيد موازنة قوته الصاروخية بمجرّد تقييد قوته النووية. إذا توصلت الولايات المتحدة إلى اتفاق مع النظام لوقف التخصيب، فسيعمد الأخير إلى تحويل موارده باتجاه الصواريخ، أكانت باليستية أم جوالة .

 

عرض لصاروخ إيراني (أ ب).

 

في المحادثات الأخيرة، ربما فضلت واشنطن تحييد مسألة الصواريخ والتركيز على المسألة النووية، تفادياً لتفجير المفاوضات. لكن في نهاية المطاف، وعلى المستوى الديبلوماسي، خسرت الولايات المتحدة الملفين معاً.

 

ليست قريبة؟ … فكّروا مجدّداً

بحسب تقارير أميركية، ليست إيران “قريبة” من امتلاك تكنولوجيا توصل صواريخها إلى البر الأميركي. مع ذلك، لم يكن ترامب مخطئاً. سنة 1993، اختبرت بيونغ يانغ أول صاروخ محلّي الصنع ومتوسط المدى. بالمناسبة، كانت كوريا الشمالية مستعدة لنقل هذا الصاروخ إلى إيران مقابل النفط. حينها، لم تكن كوريا الشمالية “قريبة” من تصنيع صواريخ تستطيع بلوغ الولايات المتحدة. بلغ مدى “نودونغ-1” نحو 1250 كيلومتراً. في 2017، نجحت في اختبار أول صاروخ قادر على ذلك: “هواسونغ-15″، مع مدى بلغ 13 ألف كيلومتر. مرت سريعاً تلك الأعوام الـ 24.

 

ايران تحتفل بذكرى الثورة، شباط 2026 (أ ب).

 

ما أشعل حرب “الأسد الصاعد” الصيف الماضي، أو على الأقل ما ساهم في إشعالها، كان اقتراب إيران من عتبة حرجة… صاروخية، قبل أن تكون نووية. أوشكت طهران على توسيع ترسانتها من 2500 صاروخ عشية الحرب إلى نحو 6 آلاف هذه السنة.

 

إذا كان من الصعب محو الخبرة النووية، فمن الأصعب التخلص من الخبرات الصاروخية. “صفر تخصيب” مطلب مهمّ وحيوي لأي محادثات ديبلوماسية مقبلة. “صفر باليستي”، أو ما يقرب تقنياً من ذلك، مطلب بنفس الأهمية، إن لم يكن أهم. يكفي العالم كوريا شمالية واحدة.