مقدمة: في السياسة والثقافة، صراع الزمنين.
لا يمكن مقاربة المشهد السياسي المغربي الراهن، في تقاطعه المحرج مع الحقل الثقافي والفكري، بمعزل عن توتر جوهري بين زمنين متنافرين للفعل والنجاعة:
زمن فعل المؤسسة الملكية، الذي يتسم بالديمومة والرؤية الاستراتيجية البعيدة والعمق الحضاري الذي يرى في المغرب “أمة-دولة” ممتدة،.
وزمن فعل الأحزاب السياسية، الذي غالباً ما يسقط في فخ “الموسمية” وضيق الأفق الانتخابي والتكنوقراطي. إن ما نشهده اليوم من محاولات حزبية لفتح قنوات “الإنصات” للمثقفين والفنانين، لا يمكن أن يُقبل كبادرة سياسية ناضجة ما لم يسبقه نقد ذاتي إبستمولوجي، يفكك الأسباب البنيوية التي جعلت هذه الأحزاب، رغم تعاقبها على التدبير الحكومي للقطاع الثقافي والإعلامي التواصلي، عاجزة عن إنتاج فعل سياسي وثقافي مُقنع، يوازي حجم التحولات الهيكلية الاستراتيجية التي يقودها جلالة الملك.
ليست الثقافة، في تجلياتها الفلسفية والجمالية، مجرد “قطاع” قطاعي يُضاف لتأثيث البرنامج الحكومي، كما يبدو ذلك من التدبير الحزبي للقطاع منذ عشاريات، بل في تنظيماتها أساسا بنفس القدر، إن قطاع الثقافة “مختبر” تُصاغ فيه العقول وتُحدَّث فيه السلوكيات. تحاول هذه المقالة رسم معالم القطيعة الضرورية مع “الذهنية الحزبية التقليدية”، مستندة إلى المرجعية الملكية كبوصلة استراتيجية وداعية إلى فك حصار “التبعية” ومطابقة الذات ونظرتها المتكلسة والعقيمة، لفعل الإبداع ولفعالية التفكير.
أولاً: العماء البنيوي في الوعي الحزبي، الثقافة كـ “ملحق” لا كـ “محرك.”
تعاني الأحزاب السياسية المغربية، قديمها والوافد منها، مما يمكن تسميته بـ “العماء البنيوي” تجاه القيمة الاستراتيجية للثقافة. ففي عمق التمثل الحزبي، لا تزال الثقافة تُصنف ضمن “الكماليات” أو “الفواضل” من حيث الميزانية، ولعل الفصل الميكانيكي بين “التنمية الاقتصادية” و”التنمية الثقافية” خطأ استراتيجي فادح، فالتنمية في جوهرها هي عملية “تثقيف وتجهيز وتمويل” للمجتمع باعتباره أجساد وعقول وأرواح وأذواق بالتالي، وتغيير إيجابي تصعدي التطور والتكيف في تمثلاته لمفاهيم الوقت-الزمن والعمل-الشغل والآخر-الغير.
إن لجوء الأحزاب إلى ادعاء الإنصات للمثقفين والفنانين – لنلاحظ غياب المفكرين والفلاسفة والمنظرين والنقاد بالمعنى الرصين للكلمة – عشية الاستحقاقات، دون امتلاك تراكُم قِيم أو حصيلة إجرائية واضحة، إنما هو تجسيد لـ “وعي شقي” يحاول مطابقة ذاته مع نخب لا يراها إلا كأدوات تجميلية لا فاعلية لها في المنجز حسب مدبريهم. ليس المطلوب “الإنصات” كفعل سلبي لاستدرار العطف أو للمناورة والاستقطاب المؤقت والنخبوي، بل المطلوب هو “المراجعة الفكرية” التي تنهي اعتبار القطاع الثقافي “قطاعاً تابعاً” أو “حقيبة للتسوية” بين مكونات التحالفات، فالسيادة الذهنية للمغاربة تمر عبر تحرير الثقافة من منطق “الوصاية الحزبية” ومنحها الاستقلالية والموارد لتكون قاطرة للتغيير المجتمعي المتوازن والمدروس والملائم.
ثانياً: المرجعية الملَكية وهندسة “الرأسمال اللامادي”.. الرؤية السيادية
مقابل الارتباك الحزبي العنيد والمتكرر، قدمت المؤسسة الملكية نموذجاً فريداً في التعاطي مع الشأن الثقافي والفكري كأولوية وطنية قصوى. لقد كانت الخطب والقرارات الملكية سباقة إلى طرح مفهوم “الرأسمال اللامادي” كمعيار أساسي لثروة الأمم وقوتها. هذه المرجعية لم تكن مجرد ترف فكري، بل كانت موجِّها سياسيا يدعو إلى إدماج الهوية والتعددية الثقافية في صلب “المشروع المجتمعي”.
يدرك المتأمل في المنجزات الكبرى التي ترعاها المؤسسة الملكية – من ترميم الحواضر التاريخية وتثمين التنوع اللغوي (الأمازيغية، الحسانية، العبرية…)، وبناء الصروح الثقافية الكبرى – أن “الدولة الاستراتيجية” في المغرب تعتبر الثقافة “صمام أمان” وجودي وعمقاً جيواستراتيجياً. وهنا يبرز السؤال المحرج للأحزاب والمهيمنة منها خاصة: لماذا فشلتم في تحويل هذه التوجيهات الملكية السامية إلى “برامج عمل إجرائية”؟ ولماذا يظل المثقف في برامجكم مجرد “توابل” انتخابية وبتمثيلية ماكرة مقصودة غير ذات مصداقية، بينما يغيب مشروعه عن القوانين المالية وعن المخططات التنموية التي تدبرونها في الجماعات والجهات؟
ثالثاً: تحليل فجوة الميزانية والبرامجية (المقاربة النقدية للواقع)
إذا ما انتقلنا من الخطاب إلى لغة الأرقام، سنجد أن الهيمنة الحزبية على القرار الحكومي لم تترجم يوماً الطموح الثقافي إلى عدالة ميزانية دالة وحاسمة. ويكشف فحص البرامج الحزبية الأخيرة عن فوارق صارخة:
– الميزانية الهامشية : تظل ميزانية القطاع الثقافي في المغرب تراوح مكانها في حدود لا تتجاوز 1% من الميزانية العامة، وهو رقم يعكس “انعدام الثقة” الحزبية في المردودية الاجتماعية للثقافة.
– غياب التخطيط المندمج : تفتقر البرامج الحزبية لـ “الرؤية العابرة للقطاعات”، حيث يُدبر الكِتاب بمعزل عن التعليم، وتُدبر السينما والمسرح والتشكيل بمعزل عن بعضها وعن التعليم بكل أسلاكه وعن السياحة والبحث العلمي، ويُترك الإعلام العمومي سجيناً لنماذج استهلاكية لا تنتج قيماً مضافة ولا ترتبط بالثقافة والفنون عضويا واستراتيجيا.
– منطق “المنحة” لا “الاستثمار”: تتعامل الأحزاب مع الدعم الثقافي بمنطق “الصدقة” أو “الريع” الذي يُمنح للموالين أو لاستمالة النخب بالمفهوم الذي تفهم به النخب ونجاعتها، فبدلاً من إرساء “صناعات إبداعية” حقيقية تخضع لمعايير الحكامة والشفافية والنتائج، تدبر الأمور بمنطق العلاقات والمصالح والنظرة التقنية الجوفاء، وبمنطق التبعية وتنفيذ الأوامر المقنعة.
إنَّ المطلوب – وهو المرفوض طبعا – هو الانتقال إلى “الموضوعية الإجرائية”، أي تحويل الرغبة الثقافية إلى بنود في الميزانية واضحة وبرامج ممولة تستهدف البنية التحتية الثقافية في المناطق بما فيها النائية، تدعم اقتصاديات كل قطاعات الثقافة والفنون باعتبارها قطاعات منتجة للثروة ولفرص الشغل ناهيك عن الذوق العام والقيم الجمالية.
رابعاً: الوحدة العضوية.. الثقافة، التعليم، والبحث العلمي كنسق واحد
تقتضي الرؤية الجمالية والفلسفية للسياسة الإيمان بـ “وحدة النسق”. فلا يمكننا الحديث عن قطاع ثقافي ناجح في ظل غياب عن الفضاءات التعليمية المختلفة ليعالج “الفقر الفكري”، أو بحث علمي يفتقر للموارد وللخيال.
– التعليم : يجب أن ينتقل من وظيفة “التلقين” إلى “صناعة التذوق”. فإدماج الفنون والسينما والموسيقى في المناهج التعليمية، كما تنص على ذلك الرؤى الاستراتيجية لجلالة الملك، هو السبيل الوحيد لبناء عقل نقدي يرفض التطرف والابتذال.
– الإعلام : لا يمكن أن يبقى إعلامنا العمومي والخاص مجرد وسائط لنقل الأخبار الجافة، بل يجب أن يتحول إلى “منصات معرفية” تروج للمثقف وللبحث العلمي الرصين، وتسوق للنموذج المغربي كقوة ناعمة دون ابتذال ولا سطحية.
– البحث العلمي : تحتاج الثقافة في المغرب إلى “أرقام” ودراسات سوسيولوجية دقيقة لفهم تحولات السلوك المجتمعي. ويعتبر إغفال الأحزاب لتمويل البحث في الإنسانيات تجهِيلٌ مُقنّع يمنعنا من فهم أنفسنا ومن تخطيط مستقبلنا.
خامساً: جماليات السياسة وفك حصار “التكنوقراطية الباردة”.
استسلمت الأحزاب المغربية لسطوة “التكنوقراطية” منذ عقود، حيث يُقاس النجاح فقط بالأرقام الجافة وبمعدلات النمو المادي. تتجاهل التكنوقراطية “البعد الجمالي” في بناء الدولة. وليس تجميل وجه المدن المغربية مجرد رصف للطرق، بل هو خلق فضاءات للتعايش الجمالي (مسارح، مكتبات، دور سينما، متاحف، منحوتات هنا وهناك، حدائق كما في الرباط اليوم…).
يتطلب “فك الحصار” عن هذا القطاع ميزانيات تعكس قيمته كقطاع سيادي. فليس تخصيص اعتمادات ملائمة “مِنة” حكومية ولا خسارة للمال العام، بل هو استثمار في الأمن الروحي والفكري للمواطن وفي الملائمة الذهنية والتوازن والتجديد التحديثي للسلوك المدني في المجتمع. فالشاب الذي يجد في حيه فضاءً إبداعياً، يصبح مواطنا أقل عرضة للانعزال وأكثر ارتباطاً بهويته ووطنيته. في هذا السياق تلتقي الوطنية الحقة مع السياسة الثقافية، حيث يصبح الانتماء نتاجاً لتفاعل إيجابي مع محيط يحترم عقل المواطن ووجدانه.
سادساً: مقترح “التعاقد الحضاري” الجديد، خارطة طريق للأحزاب.
أمام هذا الواقع، يسرني التوجه للأحزاب السياسية، خاصة تلك التي تستعد لتصدُّر المشهد، مقترح أفكار إجرائية يتجاوز لغة “الإنصات” إلى لغة “الإنجاز”:
– مخطط وطني للتحديث الثقافي (2026-2030): وضع أجندة زمنية ملزمة لرفع ميزانية الثقافة والفنون وصناعاتهما تدريجياً، مع ربطها بآليات حكامة صارمة تفصل بين “الولاء الحزبي” و”الاستحقاق الإبداعي”.
– قانون إطار للصناعات الإبداعية : تشريع يحمي الفنان والمفكر، ويعتبر الإنتاج السمعي البصري والأدائي الحي والكتابي وغيرها قطاعاً استراتيجياً يخضع لتحفيزات ضريبية مماثلة للقطاعات الصناعية الكبرى.
– توطين الثقافة في الجهات : تفعيل الجهوية المتقدمة عبر إجبارية تخصيص نسبة ثابتة من ميزانيات الجهات للمشاريع الثقافية الكبرى، لضمان عدالة مجالية تقضي على “مركزية الرباط والدار البيضاء”.
– الاستلهام الصارم من التوجيهات الملكية : جعل “الرأسمال اللامادي” مادة مُدرّسة في معاهد تكوين الأطر السياسية، لضمان أن رجل السياسة في المغرب يمتلك الحد الأدنى من الثقافة التاريخية والجمالية، قبل تدبير شؤون الناس.
خاتمة: في انتظار “الانبعاث” لا “الانتخاب.”
يستحق المغرب بموقعه الاستراتيجي وتاريخه العريق، نخبة سياسية تمتلك ذاكرة ومخيالا تاريخيان وقدرة على الربط بين الأصالة والمعاصرة بمعناهما الممتلئ والدال والعميق وبذكاء. تفاؤلنا اليوم تفاؤل رصين وصارم، يرفض الشعور بالرضا الزائف من أعمال فوقية وترقيعية وتجزيئية تعتد بذاتها وتصم آذانها، دون النقد الصريح والشجاع – عوض تهميشه والانتقام منه بمَكرٍ – ومراجعة المنجز السياسي في القطاع منذ عشاريات طويلة حيث لا تغيير استراتيجي ولا حفر نقدي ذاتي في تطابق الذات مع نفسها ولا مع الواقع الهزيل المنجز. تفاؤلنا بالمنجز الملكي والاقتداء به يطالب الأحزاب بالخروج من شرنقة “الذات الحزبية” الضيقة، للارتقاء إلى مستوى “المشروع الوطني الكبير” الذي يقوده جلالة ملك البلاد.
ليس المطلوب “اجتماعات” عابرة للمثقفين والفنانين بل “انبعاث” فكري داخل تنظيمات الأحزاب نفسها، فالسياسة يتيمة من ثقافة بنيوية وشاملة هي مجرد “تدبير تقني للنُّدرة”، أما السياسة بالثقافة فهي “صناعة للمستقبل”. إن وجه المغرب الذي نريد هو وجهٌ مشرق بالمعرفة فخور بفنونه ومحصَّن ببحثه العلمي، ومرتبط بوطنيته ارتباطاً لا تزعزعه عواصف العولمة الجارفة.

