في الوقت الذي تتجه فيه حركة الملاحة في مضيق هرمز إلى التوقف، لا تزال إيران تمرر ملايين براميل النفط عبر ميناء التصدير الواقع على جزيرة خرج، التي توصف بقلب اقتصاد إيران النابض، حتى في ظل التصعيد العسكري.
بين حسابات الربح والخسارة، ومخاوف انهيار الاقتصاد الإيراني من جهة، وارتفاع أسعار النفط عالمياً من جهة أخرى، يبدو القرار بين استهداف الجزيرة أو تجنيبها أشبه بلعبة توازن دقيقة.
وتبقى جزيرة خرج ورقة ضغط بيد واشنطن، وفخاً اقتصادياً قد ينقلب على الجميع إذا ما استخدمته الولايات المتحدة؛ فهل تبقى «خرج» بمنأى عن الصواريخ لحماية الأسواق، أم تصبح الشرارة التي تعيد رسم خارطة الطاقة في العالم؟
ورقة ضغط
في مطلع الأسبوع، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إنه يعتزم توسيع نطاق الحرب لتشمل أهدافا تتجاوز المنشآت العسكرية والنووية، مشيرا إلى مناطق حساسة وحيوية في إيران.
ترامب قال في إحاطة صحفية: «من المبكر الحديث عن احتمال السيطرة على نفط إيران، لكنه أمر ليس مستبعداً».
سبق لترامب أن تحدث عن جزيرة خرج قبل 40 عاما أثناء الترويج لكتابه «فن الصفقة» في حديثه عن إيران: «رصاصة واحدة تطلق على أحد رجالنا أو سفننا وسأفعل شيئا كبيرا مع جزيرة خرج، سأذهب إلى هناك وسأستولي عليها».
%90 من نفط إيران
يتصاعد الحديث عن السيطرة على هذه الجزيرة الصغيرة التي تبلغ مساحتها نحو 20 كيلومترا مربعا، وتعد المحطة الرئيسية لتصدير النفط الإيراني، حيث يمر عبرها نحو 90% من صادرات طهران النفطية.
مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأميركي أوضح أن إدارة الرئيس دونالد ترامب قد تختار فرض حصار على جزيرة خرج أو احتلالها لإضعاف النظام الإيراني عن طريق تجفيف مصادر قوته المالية.
ويرى المركز من جهة اخرى، وفقا لتقريره الصادر مطلع الشهر الجاري، أن الاستيلاء على هذه الجزيرة سيوقف صادرات النفط الإيرانية فورا، ويحرم طهران من إيرادات حيوية تصل لمليارات الدولارات.
الجزيرة المحرمة
تلقب جزيرة خرج بـ«الجزيرة المحرمة»، نتيجة القيود الأمنية الصارمة المفروضة عليها بسبب وجود المنشآت النفطية الكبرى التي تخضع لحماية مشددة من قوات الحرس الثوري الإيراني.
وتضم الجزيرة منشآت نفطية كخزانات تخزين النفط الضخمة ومرافئ متخصصة لتحميل الناقلات، إضافة إلى منشآت صناعية مرتبطة بقطاع الطاقة.
محلل النفط لدى «بي في إم أويل أسوشيتس»، توماس فارغا، قال: «استيلاء ترامب على جزيرة خرج سيشكل ضربة قاضية للنظام الإيراني، وستكون خطوة مشابهة لتدخل واشنطن في فنزويلا».
صورة التقطت في 9 أكتوبر 2023 العلم الإيراني مع رسم بياني لرافعة مضخة النفط المصدر: رويترز
لماذا لم تمسها واشنطن؟
قال الخبير في معهد «هادسون»، إيكل دوران: «واشنطن رسمت منذ فترة طويلة خطا أحمر حول جزيرة خرج، التي تم تجنبت استهدافها أيضا خلال الحرب التي استمرت 12 يوما بين إسرائيل وإيران العام الماضي».
وأضاف أن الإدارة لا تريد تدمير الأساس الاقتصادي لإيران بعد الحرب، مشيرا إلى أن البيت الأبيض لا يريد رؤية أي ارتفاع إضافي في أسعار النفط.
دوران تابع: «الرئيس الأميركي يواجه حاليا ضغوطا داخلية بسبب ارتفاع أسعار الوقود قبيل الانتخابات النصفية، وأي تعطيل كبير لصادرات النفط الإيرانية قد يؤدي إلى اضطراب أكبر في الأسواق العالمية».
مُتنفس لبراميل طهران
قدرت خدمة تتبع السفن «كبلر» أن الصادرات الإيرانية خلال الأيام الـ11 الأولى من مارس بلغت نحو 16.5 مليون برميل، عبر ميناء التصدير في جزيرة خرج.
كما كشف تحليل أجرته شركة «تانكر تراكر دوت كوم» أن إيران صدرت نحو 13.7 مليون برميل من النفط الخام منذ بدء الحرب في 28 فبراير.
وتشير بيانات «تانكر تراكر دوت كوم» و«كبلر» إلى أن صادرات إيران من النفط الخام تراوحت بين 1.1 مليون برميل و1.5 مليون برميل يومياً في الفترة من 28 فبراير إلى 11 مارس، في حين تظهر سجلات «كبلر» أن متوسط صادرات العام الماضي بلغ نحو 1.69 مليون برميل يومياً.
إيران تحذر من «200 دولار»
قالت إيران إن على العالم الاستعداد لوصول سعر برميل النفط إلى 200 دولار، بعد أن شنت قواتها هجمات على سفن تجارية في المنطقة.
جاء ذلك بعد أن أوصت «وكالة الطاقة الدولية» بإطلاق كميات ضخمة من الاحتياطيات الاستراتيجية، هي الأكبر في تاريخها، لتخفيف حدة صدمة أسعار النفط الحالية.
احتمال الـ«100 دولار»
قدّر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن (CSIS) أن استهداف الجزيرة أو تعطيلها قد يرفع الأسعار من 10 دولارات إلى نحو 100 دولار للبرميل الواحد، ما يمثل أزمة غير مسبوقة.
ودعا زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد إلى استهداف الجزيرة، وكتب عبر منصة «إكس»: «على إسرائيل أن تدمر جميع حقول النفط والصناعة الطاقوية الإيرانية في جزيرة خرج، ذلك سيؤدي إلى انهيار الاقتصاد الإيراني وإسقاط النظام».
كما أضاف: «يمكن تعطيل الجزيرة بطرق عدة، منها تدمير معدات تحميل السفن مثل المضخات والأنابيب، أو ضرب خزانات التخزين، أو حتى قطع الأنابيب البحرية التي تنقل النفط إلى الجزيرة».
صورة للنيران والدخان التي خلفها قصف العاصمة الإيرانية 13 يونيو 2025 المصدر: وكالة الأنباء الإيرانية (إيرنا)
ارتفاع 30 دولاراً في 12 يوماً
مع تجدد الهجمات وزيادة التصعيد خلال اليومين الماضيين، ارتفعت الأسعار بأكثر من 15% في يومين لتتجاوز مستوى 101 دولار، في أحدث تداولات اليوم الخميس، وسط مخاوف متجددة من اضطراب الإمدادات.
ومنذ بدأت حرب إيران، وخلال 12 يوما، ارتفع الخامان القياسيان نحو 30 دولارا للبرميل، كما صعدت أسعار النفط منذ بداية العام الجاري نحو 67%، بعد أن كانت قد تراجعت في العام الماضي نحو 20%.

