زياد فرحان المجالي
مع اتساع رقعة التوتر في الشرق الأوسط، تبدو تركيا واحدة من أكثر الدول التي تراقب تطورات الصراع بقلق بالغ. فأنقرة، بحكم موقعها الجغرافي وثقلها السياسي والعسكري في المنطقة، تدرك أن أي حرب إقليمية واسعة لن تبقى محصورة بين أطرافها المباشرين، بل ستترك تداعيات عميقة على مجمل التوازنات الأمنية في الشرق الأوسط. ولهذا لا يمكن قراءة الموقف التركي من التصعيد الدائر بين إسرائيل وإيران من زاوية المواقف السياسية المعلنة فقط، بل ينبغي فهمه ضمن سياق أوسع يتعلق بالأمن القومي التركي وبمستقبل الاستقرار الإقليمي.
ترى أنقرة أن استمرار حالة الحرب في المنطقة يحمل في طياته خطر انهيار منظومة الأمن الإقليمي التي تشكلت خلال العقود الماضية. فالتصعيد العسكري المتواصل لا يهدد دولة بعينها بقدر ما يفتح الباب أمام سلسلة من الاضطرابات التي قد تمتد آثارها إلى دول الجوار، وربما إلى النظام الإقليمي بأكمله. وفي هذا السياق تنظر تركيا إلى احتمال توسع الحرب باعتباره تطورًا قد يؤدي إلى إعادة رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط، وهو أمر يحمل في داخله مخاطر كبيرة بالنسبة لدولة تسعى منذ سنوات إلى الحفاظ على دورها الإقليمي وموقعها الجيوسياسي.

أحد أبرز هواجس أنقرة يتمثل في احتمال انهيار الدولة في إيران في حال تصاعدت الحرب إلى مستوى أكثر خطورة. فالتجربة السورية ما تزال حاضرة بقوة في الذاكرة السياسية التركية، حيث استقبلت تركيا خلال العقد الماضي ملايين اللاجئين الذين فروا من الحرب في سوريا. وقد شكل هذا التدفق البشري ضغطًا اقتصاديًا واجتماعيًا كبيرًا على الدولة والمجتمع، وأصبح أحد الملفات الحساسة في السياسة الداخلية التركية. ولهذا تخشى أنقرة من سيناريو مشابه قد يحدث في حال اندلاع اضطرابات واسعة داخل إيران، لأن مثل هذا التطور قد يؤدي إلى موجة لجوء ضخمة باتجاه الحدود التركية، ومن ثم إلى أوروبا.
ولا يقتصر القلق التركي على الجانب الإنساني فقط، بل يمتد إلى الأبعاد الاقتصادية والسياسية لهذا الاحتمال. فتركيا تدرك أن تحوّلها إلى ممر رئيسي للاجئين باتجاه أوروبا قد يضعها مجددًا في قلب معادلة سياسية معقدة مع الاتحاد الأوروبي، وهو أمر حاولت أنقرة خلال السنوات الماضية إدارته بحذر شديد. كما أن تدفق أعداد كبيرة من اللاجئين قد يضيف أعباءً جديدة على الاقتصاد التركي الذي يواجه بدوره تحديات داخلية تتعلق بالتضخم والاستقرار المالي.
إلى جانب هاجس اللاجئين، يرتبط الموقف التركي بعامل آخر يتعلق بطبيعة علاقاتها مع الولايات المتحدة. فأنقرة تحاول منذ سنوات الحفاظ على قدر من الاستقلالية في سياستها الخارجية، خصوصًا في الملفات الإقليمية الحساسة. وقد ظهر هذا التوجه بوضوح في عدد من القضايا التي شهدت تباينًا بين تركيا والولايات المتحدة، سواء في الملف السوري أو في العلاقات مع روسيا. ولهذا لا تنظر تركيا بعين الرضا إلى السياسات التي ترى أنها قد تدفع المنطقة نحو مزيد من عدم الاستقرار، لأنها تعتقد أن مثل هذه التطورات ستنعكس في النهاية على أمنها القومي بشكل مباشر.
في هذا السياق تبرز معادلة معقدة تحكم السياسة الخارجية التركية، وهي معادلة التوازن بين التحالفات الغربية والعلاقات مع القوى الدولية الأخرى. فتركيا ما تزال عضوًا مهمًا في حلف شمال الأطلسي، وتدرك أهمية العلاقة العسكرية والأمنية مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية. غير أن أنقرة في الوقت نفسه سعت خلال السنوات الأخيرة إلى بناء علاقات استراتيجية مع روسيا في ملفات متعددة، من بينها الطاقة والتجارة والتنسيق السياسي في بعض أزمات المنطقة.
هذا التوازن الدقيق بين الغرب وروسيا يمنح تركيا هامشًا من الحركة السياسية، لكنه يضعها في الوقت ذاته أمام تحديات كبيرة في حال توسعت الحرب في الشرق الأوسط. فالتصعيد بين إيران وإسرائيل قد يدفع القوى الكبرى إلى إعادة ترتيب أولوياتها وتحالفاتها، وهو ما قد يفرض على أنقرة اتخاذ مواقف أكثر وضوحًا مما تفضله عادة. ولهذا تحاول تركيا إدارة سياستها الخارجية بحذر شديد، بحيث تحافظ على موقعها داخل المنظومة الغربية من دون خسارة قنواتها المفتوحة مع موسكو أو مع القوى الإقليمية الأخرى.
لكن القلق التركي لا يرتبط فقط بالتوازنات الدولية، بل يتصل أيضًا بطبيعة الجغرافيا السياسية للمنطقة. فالحرب في الشرق الأوسط لا تبقى عادة ضمن حدود الجبهات العسكرية التقليدية، بل تمتد تأثيراتها إلى الممرات البحرية الاستراتيجية التي تشكل شرايين الاقتصاد العالمي. وفي هذا السياق يدرك صناع القرار في أنقرة أن إيران تمتلك مجموعة من الأدوات الجيوسياسية التي يمكن أن تستخدمها في حال توسعت الحرب، من بينها التأثير على عدد من المضائق البحرية الحيوية.
ومن أبرز هذه الممرات مضيق هرمز وباب المندب، وهما من أهم النقاط الاستراتيجية في حركة التجارة العالمية. فمضيق هرمز يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط العالمية، ما يجعله أحد أهم شرايين الطاقة في العالم. أما باب المندب فيمثل حلقة الوصل بين البحر الأحمر والمحيط الهندي، وهو الطريق البحري الذي تمر عبره السفن المتجهة إلى قناة السويس ومنها إلى البحر المتوسط.
إن تعطيل الملاحة في أحد هذين الممرين قد يؤدي إلى اضطراب واسع في حركة التجارة الدولية. فالسفن التي تضطر إلى تجنب هذه الطرق البحرية ستجد نفسها مجبرة على سلوك طرق أطول بكثير، وهو ما يزيد من تكاليف النقل ومن زمن الرحلات البحرية. فعلى سبيل المثال، إذا تعطلت الملاحة في البحر الأحمر أو في باب المندب، فإن السفن التي كانت تعبر عبر قناة السويس قد تضطر إلى الدوران حول رأس الرجاء الصالح في جنوب إفريقيا، وهو ما يزيد مسافة الرحلة البحرية بآلاف الكيلومترات ويضيف أسابيع إضافية إلى زمن الشحن.
هذا النوع من الاضطرابات لا يؤثر فقط في شركات النقل البحري، بل ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي بأكمله، لأن ارتفاع تكاليف الشحن يؤدي عادة إلى ارتفاع أسعار السلع والطاقة. ولهذا ينظر الخبراء في الجغرافيا السياسية إلى المضائق البحرية باعتبارها نقاطًا استراتيجية في النظام الاقتصادي العالمي، حيث يمكن لأي توتر عسكري فيها أن يتحول سريعًا إلى أزمة اقتصادية واسعة.

وفي ضوء هذه المعادلة المعقدة، تبدو تركيا أمام تحدٍ استراتيجي متعدد الأبعاد. فهي من جهة تسعى إلى تجنب الانجرار إلى صراع إقليمي واسع قد يهدد استقرار المنطقة، ومن جهة أخرى تدرك أن موقعها الجغرافي يجعلها طرفًا يتأثر مباشرة بأي تحولات كبرى في الشرق الأوسط. ولهذا تراقب أنقرة تطورات الحرب بحذر شديد، محاولةً الحفاظ على سياسة توازن دقيقة بين مصالحها الأمنية وعلاقاتها الدولية.

وفي النهاية، لا يتعلق السؤال المطروح اليوم فقط بما إذا كانت الحرب ستتوسع، بل بمدى قدرة القوى الإقليمية والدولية على احتواء تداعياتها قبل أن تتحول إلى أزمة شاملة قد تعيد تشكيل توازنات الشرق الأوسط لسنوات طويلة قادمة. فالتاريخ السياسي للمنطقة يثبت أن الحروب الكبرى لا تترك آثارها في ساحات القتال فقط، بل تمتد تداعياتها إلى الاقتصاد والسياسة والجغرافيا السياسية، وهي معادلة تدرك تركيا جيدًا أنها ستكون في قلبها إذا خرجت الأزمة الحالية عن حدود السيطرة.
كاتب اردني.