حمد حسن التميمي.

ثمة سيناريو بدأ يتبلور خلف ستائر الوساطة التي يقودها بوتين مع ترامب؛ اتفاق مهما كان نوعه، فإنه سيؤدي في النهاية إلى إيقاف الصواريخ قبل أن تصل الدولة في إيران إلى حافة الانهيار التام. يبدو أن القوى الكبرى تبحث الآن عن مخرج لنفسها أيضاً؛ حيث سيبدأ ترامب بسلسلة من التصريحات المدوية، يخبرنا فيها بأنه حقق الأهداف، وقصف ودمر وانتصر، في محاولة واضحة لحفظ ماء الوجه السياسي بعد مغامرة عسكرية لم تقتلع الجذور كما وعد في بدايتها.

 

والحقيقة التي يغفلها الكثيرون هي أننا لسنا بصدد الدفاع عن السياسات الإيرانية التي لطالما كانت محل تحفظ واختلاف، ولكننا بصدد قراءة واقع جديد فرضته هذه المواجهة. فكل الكلام الذي بدأ به ترامب الحرب لم يتحقق فعلياً على أرض الواقع السياسي. والتاريخ علمنا أن الأنظمة العقائدية لا تنتهي بمجرد سقوط الرؤوس؛ فصحيح أنهم استهدفوا القيادات، ولكن النتيجة كانت صعود جيل جديد أكثر شباباً وخبرة بكواليس القرار، جيل يعرف خبايا اللعبة ولم يتنازل عن إرث العداء التاريخي لسياسات واشنطن، بل أصبح اليوم أكثر شراسة بعد أن اختبر معنى المواجهة المباشرة.

 

لقد انطبق على إيران المثل القائل بأن الضربة التي لا تكسر الظهر تقويه. والمؤشرات الميدانية تقول إن هذه المعركة، رغم ما خلفته من دمار نرفضه، كانت بمثابة تجربة خصبة وميدان اختبار حقيقي للصواريخ والصناعات العسكرية الإيرانية التي صمدت في وجه التكنولوجيا الغربية. لقد تحولت طهران إلى مدرسة في فنون المعارك الحديثة، واكتسبت خبرة ميدانية لا تُباع ولا تُشترى.

 

وبعيداً عن العاطفة، لغة الأرقام تؤكد أن كلفة السلاح الإيراني مقارنة بفاعليته تحت النار الأمريكية، ستجعل من طهران مقصداً عالمياً لطلبات الشراء العسكري في غضون أشهر قليلة. نحن نتحدث بصراحة؛ بعد سنة واحدة من الآن، ستتحول إيران إلى دولة مرعبة في المنطقة، بجيش خاض حرباً كونية وخرج منها بجروح لكن بصلابة أكبر. لقد راهن المهندس الاستراتيجي في واشنطن على التدمير فأيقظ قوة متجددة، ما يجعلنا نتساءل: هل كانت هذه الحرب لتحجيم إيران، أم أنها كانت الحافز الذي نقلها من مرحلة التهديد الإقليمي إلى مرحلة الدولة النووية العسكرية التي لن يجرؤ أحد على قرع أبوابها مرة أخرى؟

 

كاتب قطري.