تُواجه جهود جنوب إفريقيا لإحياء قطاع التعدين تحديات كبيرة، في ظل استمرار تراجع الإنفاق على أعمال التنقيب عن المعادن للعام السابع على التوالي، وفقاً لبيانات رسمية حديثة. 

وأظهرت الأرقام الصادرة عن وكالة الإحصاء الوطنية أن حجم الإنفاق على أنشطة الاستكشاف انخفض بنسبة 5.3% خلال عام 2025، ليصل إلى نحو 738 مليون راند (ما يعادل 43.9 مليون دولار تقريباً)، وهو ما يضع الدولة التي كانت يوماً عملاق التعدين العالمي في موقف حرج أمام منافسيها الإقليميين.

تآكل الاستثمارات وصعود القوى الإقليمية.

وعلى الرغم من احتفاظ جنوب إفريقيا بمكانتها كأكبر مصدر للمنتجات المعدنية في القارة السمراء، إلا أن الواقع الميداني يشير إلى تقلص حاد في الميزانيات التي تخصصها الشركات الكبرى لأنشطة الاستكشاف.

 ويعد هذا التراجع مؤشراً خطيراً، كون التنقيب يمثل “شريان الحياة” الذي يغذي اكتشاف المناجم الجديدة وتطويرها مستقبلاً؛ وبدون استثمارات تدفقية في هذا “الأنبوب” الإنتاجي، يواجه القطاع خطر الشيخوخة والاندثار التدريجي للمشاريع الكبرى.

وأدى هذا الفراغ الاستثماري في جنوب إفريقيا إلى زيادة جاذبية وجهات تعدين منافسة في القارة، وعلى رأسها زامبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث نجحت هذه الدول في الاستحواذ على حصة متزايدة من الاستثمارات العالمية الموجهة للتنقيب. 

وتشير البيانات التاريخية الصادمة إلى أن الاستثمارات في أنشطة التنقيب داخل جنوب إفريقيا قد تراجعت بنسبة تزيد على 85% خلال العقود الثلاثة الماضية، مما يعكس تراجعاً استراتيجياً يتطلب تدخلاً عاجلاً من صانعي السياسات.

تحذيرات استراتيجية ومقترحات للحل.

ومن جانبه، حذر مجلس المعادن في جنوب إفريقيا، الذي يضم في عضويته عمالقة الصناعة مثل “هارموني جولد ماينينج” و”إكسارو ريسورسز”، من أن استمرار هذا النزيف الاستثماري يمثل مصدر قلق وجودي للقطاع.

 ويرى المحللون أن ضعف شركات التعدين الصغيرة والمتخصصة في الاستكشاف أسهم في جفاف “خط أنابيب” المشاريع الجديدة، مما يستدعي تبني نموذج محفز يعيد الثقة للمستثمرين الصغار والمغامرين في هذا المجال الحيوي.

وفي سياق البحث عن حلول، طرحت مؤسسة “إيكونوميك ريسيرش ساذرن إفريكا” البحثية خارطة طريق لتنشيط القطاع، تضمنت ما يلي:

تقديم حوافز ضريبية سخية للشركات التي تخصص ميزانيات ضخمة للاستكشاف الأولي.

إنشاء قاعدة بيانات شفافة ورقمية لحقوق التعدين المتاحة لمنع البيروقراطية.

زيادة التمويل الحكومي المخصص لعمليات المسح الجيولوجي الوطنية لتوفير بيانات دقيقة للمستثمرين.

فجوة بين الاستراتيجيات والواقع الميداني.

ورغم أن وزارة الموارد المعدنية والبترولية قد أعلنت العام الماضي عن استراتيجية طموحة تهدف لرفع حصة جنوب إفريقيا من الإنفاق العالمي على التنقيب إلى 5%، بدلاً من مستواها الحالي الذي يقل عن 1%، إلا أن الأرقام المحققة في 2025 تظهر اتساع الفجوة بين الأهداف والواقع. 

ومع ذلك، لا تزال البلاد تحتفظ بمزايا تنافسية هائلة، حيث تعد مورداً رئيسياً للفحم والذهب وخام الحديد ومعادن مجموعة البلاتين، وقد نمت مبيعاتها المعدنية بنسبة 7.3% لتصل إلى 861 مليار راند العام الماضي، مما يؤكد أن القطاع لا يزال يمتلك القوة الكافية للتعافي إذا ما توافرت الإرادة السياسية والتحفيز المالي المطلوب.