أمين بوشعيب
وأنا أتابع أخبار الوطن من بلاد الغربة، شدّ انتباهي خبر يتحدث عن تأثير الساقطات المطرية الأخيرة على عدد من الطرق بالمغرب، بشكل بات يهدد سلامة المواطنين ويرفع من مخاطر حوادث السير. وقد تعالت أصوات تطالب بحضور وزير التجهيز والماء نزار بركة إلى البرلمان من أجل كشف المعطيات المرتبطة بالأضرار وشرح ما جرى.
لكن السؤال الذي تبادر إلى ذهني لم يكن: هل سيحضر الوزير إلى البرلمان؟ بل كان سؤالًا أكثر إيلامًا: ما جدوى مثول وزير أمام برلمان لم يعد كثير من المواطنين يرون فيه سلطة رقابية حقيقية؟
فالمشكل الذي كشفته الأمطار الأخيرة لا يتعلق فقط بحفرٍ في الطرق أو مقاطع طرقية تضررت بفعل السيول. المسألة أعمق من ذلك بكثير. إنها تتعلق بنموذج كامل من تدبير الشأن العام، نموذج يُنفق فيه المال العام على مشاريع يفترض أن تخدم المواطن لعقود، لكنها تتآكل أحيانًا مع أول اختبار طبيعي.
فالطرق ليست مجرد إسفلت، بل هي مؤشر على جودة الحكامة، وعلى مدى احترام المسؤولين للمال العام. وعندما تتحول الطرق إلى مصدر خطر بدل أن تكون وسيلة أمان، فإن السؤال لم يعد تقنيًا بل سياسيًا بامتياز. غير أن المفارقة الصادمة هي أن النقاش ينحصر في استدعاء وزير إلى البرلمان، وكأن الأمر يتعلق بخلل إداري بسيط يمكن تجاوزه بتقرير تقني أو عرضٍ بالأرقام. والحقيقة أن المشكلة أكبر من وزير وأكبر من قطاع.
لقد مرت على المغاربة سنوات من الغلاء المتصاعد، وتراجع القدرة الشرائية، واتساع الفوارق الاجتماعية، بينما ظل النقاش البرلماني في كثير من الأحيان بعيدًا عن حجم المعاناة الحقيقية للمواطنين. قرارات اقتصادية واجتماعية كبرى تمرّ دون مساءلة حقيقية، وكأن البلاد تسير بلا رقابة سياسية حقيقية.
إن الدستور المغربي قام على مبدأ واضح لا يحتمل التأويل: ربط المسؤولية بالمحاسبة. لكن هذا المبدأ يصبح مجرد شعار فارغ عندما تتحول المؤسسات التي يفترض أن تفعّله إلى مؤسسات صامتة. والأخطر من ذلك هو صمت البرلمان نفسه. فحين يصمت ممثلو الأمة أمام السياسات التي ترهق المواطنين، فإن الصمت لا يُفسَّر على أنه حكمة سياسية، بل يُقرأ في الشارع على أنه تواطؤ سياسي.
أما رئيس الحكومة، الذي يفترض فيه أن يكون أول من يستمع لنبض المجتمع، فقد اختار في كثير من اللحظات الحاسمة لغة الأرقام الباردة والتبريرات التقنية، بدل مواجهة الأسئلة السياسية الحقيقية التي يطرحها المواطنون. فالحكومة ليست شركة خاصة تُدار بمنطق الأرباح والخسائر، بل هي مسؤولية سياسية أمام شعب بأكمله.
من موقعنا كمغاربة العالم، نتابع هذه التطورات بمرارة حقيقية. فنحن نعيش بعيدًا عن الوطن، لكن قلوبنا معلقة به. نتابع أخباره يوميًا، ونشعر بالألم حين نرى المواطن المغربي يواجه المخاطر على طرق يفترض أنها أنجزت بأموال الشعب. والأكثر إيلامًا أن النقاش السياسي غالبًا ما ينتهي عند حدود الشكل: جلسة مساءلة، تصريح إعلامي، أو وعد بإصلاحات مستقبلية. بينما السؤال الحقيقي الذي ينتظره المواطن بسيط وواضح: من يحاسب المسؤولين؟
إذا كان البرلمان قد فقد القدرة أو الإرادة لممارسة هذه المحاسبة، فإن هناك محكمة أخرى لا يمكن لأي حكومة الهروب منها: إنها محكمة الشعب. هذه المحكمة لا تعقد جلساتها في قاعة رسمية، لكنها تنعقد في ضمير المجتمع، وفي غضب المواطنين، وفي ذاكرة التاريخ التي لا ترحم. فالطرق التي تتشقق مع أول المطر ليست مجرد حادث عابر، بل رسالة واضحة تقول إن الخلل ليس في الطبيعة، بل في طريقة تدبير الشأن العام.
قد تبرر الحكومات الأعطاب بالتقارير التقنية، وقد يكتفي البرلمان بجلسات مساءلة عابرة، وقد تمرّ الأحداث في نشرات الأخبار ثم تُنسى…لكن المواطن الذي يسير يوميًا على طرق مهددة، ويشاهد المال العام يتبخر في مشاريع لا تصمد أمام أول اختبار، لن ينسى بسهولة. فالتاريخ علّمنا درسًا بسيطًا: حين تفقد المؤسسات قدرتها على المحاسبة، يبدأ الشعب في كتابة لائحة الاتهام بنفسه. وعندها لن يكون السؤال: لماذا تضررت الطرق؟ بل سيكون السؤال الأخطر: كيف سمحتم بأن يتضرر الوطن نفسه؟
فلاش: احذروا ذكاء الشعب المغربي…قد يظن بعض المسؤولين أن المواطن المغربي لا يربط بين الأحداث، وأنه ينسى بسرعة، وأن بإمكان الخطابات الرسمية أو الأرقام المعروضة في المنابر أن تحجب عنه حقيقة ما يجري. لكن التاريخ المغربي علمنا شيئًا مهمًا: الشعب المغربي قد يصبر طويلًا، لكنه ليس ساذجًا. فهو يرى الطرق التي تتشقق مع أول المطر، ويقارن بين الوعود التي يسمعها والواقع الذي يعيشه كل يوم. قد لا يخرج إلى المنابر السياسية، لكنه يتحدث في الأسواق والمقاهي ووسائل التواصل، ويكوّن حكمه الخاص على من يدبر شؤون بلاده. لذلك فليحذر من يظن أن الأمور يمكن أن تستمر كما هي دون حساب. فذكاء الشعوب لا يظهر دائمًا في الضجيج، بل يظهر أحيانًا في الصمت الذي يسبق لحظة المحاسبة. والشعب المغربي، الذي عبر تاريخه الطويل عن وعي سياسي عميق، قد يصبر… لكنه حين يقرر أن يحاسب، فإنه يفعل ذلك بذاكرة لا تنسى.
كاتب مغربي/ إيطاليا

