عدنان نصّار.

حين يُطرح اسم مضيق هرمز على طاولة السياسة الدولية، فإن الأمر لا يكون مجرد نقاش حول ممرٍّ بحري ضيّق بين ضفتين متوترتين، بل حديثٌ عن شريانٍ اقتصادي عالمي، يمرّ عبره جزء كبير من نفط العالم، وعن عقدة جيوسياسية قادرة على إشعال أكثر من جبهة في آنٍ واحد.

في هذا السياق، يبرز السؤال الذي بدأ يتردد في العواصم الغربية: ماذا يعني أن يطلب الرئيس الأمريكي Donald Trump من North Atlantic Treaty Organization التدخل لفك ما يوصف بحصار Strait of Hormuz؟
هل هو مجرد إجراء لحماية الملاحة الدولية، أم محاولة لجرّ أوروبا إلى قلب معركة قد لا تكون مستعدة لها؟
مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي. إنه نقطة الاختناق الاستراتيجية للطاقة العالمية. فكل توتر في تلك البقعة الضيقة بين إيران وسلطنة عُمان ينعكس فورًا على أسواق النفط، وعلى أمن الطاقة في أوروبا وآسيا، وعلى حسابات القوى الكبرى التي تدرك أن السيطرة على طرق الطاقة تعني امتلاك ورقة ضغط عالمية.

من هنا، تبدو دعوة واشنطن إلى تدخل الناتو أكثر من مجرد إجراء أمني تقني. فهي تعني عمليًا تدويل الأزمة، وتحويل أي احتكاك محتمل في المضيق إلى قضية تخص الحلف الأطلسي بأكمله، وليس الولايات المتحدة وحدها.

لكن السؤال الأهم الذي يواجه الأوروبيين اليوم هو: هل يريد ترامب بالفعل حماية الملاحة، أم أنه يريد توزيع كلفة المواجهة؟
على مدى السنوات الماضية، ظل الأوروبيون حذرين في التعامل مع التوترات المتصاعدة بين واشنطن وطهران..فالقارة العجوز تدرك أن أي مواجهة عسكرية واسعة في الخليج لن تكون مجرد أزمة إقليمية، بل زلزالًا اقتصاديًا وسياسيًا يطالها مباشرة.. أوروبا تعتمد بدرجات مختلفة على استقرار أسواق الطاقة، كما تخشى موجة جديدة من الاضطرابات الإقليمية قد تفتح أبواب أزمات أمنية وهجرات جديدة.
لهذا، فإن إدخال الناتو في معادلة هرمز يضع أوروبا أمام اختبار صعب:
هل تقبل بأن تتحول إلى شريك مباشر في إدارة التوتر العسكري في الخليج، أم تحاول البقاء في موقع الوسيط السياسي الذي يفضّل خفض التصعيد؟

في الحسابات الأمريكية، قد يبدو إشراك الناتو خطوة ذكية. فبدل أن تتحمل واشنطن وحدها عبء تأمين الممرات البحرية، يصبح الأمر مسؤولية جماعية للحلف. لكن في الحسابات الأوروبية، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا. فكل خطوة عسكرية إضافية في تلك المنطقة قد تزيد من احتمالات الانزلاق إلى مواجهة أوسع، يصعب لاحقًا التحكم في حدودها.

والتاريخ القريب يقدّم أمثلة كثيرة على حروب بدأت بذريعة حماية الممرات أو المصالح، ثم تحولت إلى نزاعات طويلة ومكلفة.

من هنا، فإن النقاش الدائر اليوم حول مضيق هرمز لا يتعلق بالملاحة فقط، بل بطبيعة المرحلة المقبلة في النظام الدولي. هل نحن أمام مرحلة تتوسع فيها الصراعات الإقليمية لتصبح ساحات مواجهة بين القوى الكبرى؟ أم أن هذه الدعوات ليست سوى أدوات ضغط سياسية في لعبة الردع المتبادل؟

في النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو ما إذا كان الناتو سيتدخل أم لا.

السؤال الأعمق هو: هل يتحول مضيق هرمز إلى البوابة التي تُدخِل أوروبا رسميًا إلى صراعات الشرق الأوسط؟

التاريخ يعلمنا أن الحروب الكبرى كثيرًا ما تبدأ من ممرٍ ضيق… ثم تتسع حتى تبتلع قارات بأكملها.

كاتب وصحفي أردني.