العميد محمد الحسيني
منذ إعلان وقف إطلاق النار في الجنوب، كان يفترض بالدولة اللبنانية أن تدخل مرحلة إدارة سياسية ذكية للصراع، قائمة على تثبيت السيادة أولاً، واستثمار ما حصل ميدانياً من توازن ردع ثانياً. إلا أن المسار الذي سلكته السلطة بدا معاكساً تماماً لهذا المنطق؛ إذ تحوّل وقف إطلاق النار تدريجياً من فرصة لتثبيت الحقوق اللبنانية إلى مرحلة تخلّت فيها الدولة عن معظم أوراق القوة التي كانت تمتلكها.
أول هذه الأوراق كان التمسّك بتنفيذ كامل بنود وقف إطلاق النار. فإسرائيل أبقت وجودها العسكري في عدد من النقاط الحدودية داخل الأراضي اللبنانية، المعروفة بالنقاط الخمس، واستمرت في تنفيذ اغتيالات وضربات جوية على امتداد الأراضي اللبنانية، في خرق واضح للاتفاق. ورغم ذلك، لم تُسجَّل خطوات حازمة من قبل الحكومة اللبنانية لفرض انسحاب إسرائيل من هذه النقاط أو لوقف الاعتداءات المتكررة. بل بدا وكأن ملف السيادة نفسه أُخرج من جدول الأولويات، في وقت كان من المفترض أن يكون أساس أي تفاوض لاحق.
في المقابل، مارست الدولة ضغوطاً كبيرة في اتجاه آخر: إعادة انتشار حزب الله إلى شمال نهر الليطاني وتسليم سلاحه جنوب النهر. وهكذا نشأت مفارقة لافتة؛ فبينما لم تتمكن الدولة من فرض انسحاب إسرائيلي من أراضٍ لبنانية أو وقف الاغتيالات والقصف، أقدمت على نزع السلاح جنوب النهر ونشر الجيش بوسائل قتالية ضعيفة في مواجهة إسرائيل. وبدلاً من أن تكون الأولوية لتثبيت وقف الاعتداءات الإسرائيلية، تحوّل الجهد السياسي والأمني إلى مسألة سلاح المقاومة.
يزداد هذا التناقض وضوحاً عند النظر إلى ملف إعادة الإعمار. فعلى الرغم من مرور أكثر من عام ونصف على وقف إطلاق النار من جانب حزب الله، لم تقدم الدولة على خطوات جدية لإعادة إعمار ما دمرته الحرب أو معالجة آثارها الاجتماعية والاقتصادية. بقيت الوعود تُعطى والمهل تُمدَّد، من دون أن يلمس المتضررون تغييراً فعلياً في حياتهم. ومع مرور الوقت، بدا وكأن ملف الإعمار نفسه يتحول إلى ورقة ضغط سياسية أكثر منه واجباً وطنياً تجاه المواطنين.
في هذه الأثناء، كانت إسرائيل تواصل عملياتها العسكرية المحدودة والاغتيالات، فيما حافظ حزب الله على معادلة الصمت وعدم الرد، إلى حين اندلاع الحرب بين إسرائيل وإيران، حيث استغل فرصته لشن حرب استباقية على إسرائيل مستفيداً من البيئة الإقليمية المتوترة بينهما، ولا سيما الضغط العسكري الذي تتعرض له إسرائيل بسبب النيران الإيرانية التي أصابت العمق الإسرائيلي في مراحل معينة من التصعيد. هذه المعادلة، على الرغم من هشاشتها، تشكل أحد عوامل منع اندلاع حرب شاملة على لبنان.
لكن بدلاً من استثمار هذا التوازن النسبي لصالح الدولة اللبنانية في أي مسار تفاوضي، اتجهت السلطة إلى نزع الشرعية السياسية عن سلاح حزب الله، ونجحت في فرض قيود على حركة المقاومة ومنعت عناصرها من التوجه إلى الجنوب عبر الحواجز والإجراءات الأمنية، بالتوازي مع خطوات سياسية متسارعة نحو فتح باب التفاوض المباشر مع إسرائيل. وهنا تكمن المفارقة الأكبر: فالتفاوض عادةً يكون في ذروته عندما تمتلك الدولة أوراق قوة، لا عندما تكون قد خسرت معظمها.
وفي هذا السياق، برز عامل إضافي زاد من تعقيد المشهد، تمثل في الاندفاع السريع من قبل الدولة نحو طرح خيار السلام والاعتراف بإسرائيل، انطلاقاً من فرضية أن تل أبيب جاهزة لهذا المسار وبانتظار طيّ صفحة الصراع مع لبنان، وأن ما تريده أساساً هو إنهاء ملف سلاح حزب الله وليس لديها مطامع أخرى في لبنان. غير أن هذا الافتراض بدا موضع تساؤل مع صدور تصريحات عن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو تحدث فيها عن إمكانية إلغاء اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، وهو الاتفاق الذي تم التوصل إليه بوساطة أمريكية عام 2022.
هذه التصريحات لم تكن تفصيلاً عابراً، بل حملت دلالة واضحة على أن إسرائيل قد تسعى إلى إعادة فتح ملفات سبق أن أُغلقت وفرض شروط جديدة في حال انعقاد أي مؤتمر سلام مستقبلي، الأمر الذي يضعف أكثر موقع لبنان التفاوضي في لحظة يبدو فيها أنه تخلّى مسبقاً عن معظم أوراق قوته.
فبعد عام ونصف من السياسات المترددة، لم تعد الدولة تمتلك ما يكفي من أدوات الضغط:
لا انسحاباً إسرائيلياً كاملاً من الأراضي المحتلة،
ولا وقفاً فعلياً للاعتداءات،
ولا إعادة إعمار تعزز الاستقرار الداخلي،
ولا إجماعاً وطنياً حول المسار السياسي.
في ظل هذه المعطيات، يصبح الحديث عن السلام أمراً إشكالياً. فالسلام الحقيقي يقوم على توازن مصالح بين طرفين، وعلى قبول داخلي واسع داخل المجتمع المعني. أما عندما يتم السعي إلى اتفاق في ظل اختلال واضح في موازين القوة، ومع تجاهل مكوّن أساسي من مكونات المجتمع اللبناني وتحديدا حزب الله، فإن النتيجة لا تكون سلاماً بقدر ما تكون أقرب إلى استسلام سياسي.
الأكثر حساسية في هذا السياق هو البعد الداخلي. فلبنان بلد قائم على توازنات دقيقة بين مكوناته الطائفية والسياسية، وأي محاولة لإعادة صياغة موقعه في الصراع الإقليمي من دون مشاركة أحد أكبر مكوّناته السياسية والاجتماعية، وفي مقدمتها البيئة الشيعية التي يمثلها حزب الله، ما يفتح الباب أمام أزمة داخلية عميقة بدلاً من أن تؤسس لاستقرار طويل الأمد.
من هنا، تبدو المفارقة واضحة: فالدولة التي كان يفترض أن تكون المرجعية الوطنية الجامعة في إدارة الصراع، تجد نفسها اليوم وقد فقدت ثقة جزء كبير من الداخل، من دون أن تحصل في المقابل على ضمانات حقيقية من الخارج. وبينما تتحدث السلطة عن خيار السلام، يرى كثيرون أن الطريق الذي تسلكه لا يشبه مسار تسوية متوازنة، بل مسار تنازل تدريجي عن عناصر القوة، في لحظة إقليمية شديدة التعقيد.
في النهاية، لا يُبنى السلام الحقيقي على إضعاف الداخل أو تجاهل توازناته، بل على توحيد عناصر القوة الوطنية واستثمارها في تفاوض متكافئ. أما عندما تُفرَّط هذه العناصر مسبقاً، فإن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة ليس متى سيأتي السلام، بل بأي ثمن سيُفرض؟
كاتب لبناني.

