د. ادريس هاني.

 

إنها حقا حفلة تنكرية باذخة، يلعب فيها المقنعون كل الأدوار. ربما آن الأوان لنعود إلى المثل الصارخ لكانط، حول من راقص خليلته المقنعة في حفلة تنكرية صاخبة، قبل أن يسقط القناع، ليكتشف أنه كان يغازل زوجته المقنعة. لكن في مثل هذه الحالة، لم يسقط القناع بعد؛ واللعبة تمضي حتى الآن ببراءة(بتعبير سعد الله ونوس). وفي هذا الشريط من الكوميديا السياسية، تسعى المغالطة لاصطناع فرز مزيف بين متشابهين. يجري هذا التقابل اللامنطقي بين الأطروحة والأطروحة نفسها، لبلوغ تركيب دياليكتيكي مزيف، عبر القفز على نقيض الأطروحة. هذه هي اللعبة الإعلامية هذه الأيام. تنتحل الأطروحة شخصية نقيضها، وفي نهاية المطاف يكون الضحية هو متلقي في وضعية تحشيشة بنيوية.
الإعلام يكرر نفسه، وهو في محاولة إقناع مستمرة. تكرار محاولة الإقناع تشير إلى وجود خلل في المحمول وعصاب في الحامل. في مسلسل الإقناع غير السوي، ندرك أن الحامل يخشى من الصمت ومن الروية.
أتأمل مظاهر الحجاج الغالب على سعار وسائل ” الاعلام” (الإعلام هنا تجوزا، لأنه لا يوجد إعلام حقيقي )، فأجد نفسي أكتشف مسارب أخرى للمغالطة. ولا نذهب بعيدا، لنأخذ مثال ما يجري اليوم من أحداث خطيرة في الشرق الأوسط والخليج. وطبعا أحجمت عن التجاوب مع “الاعلام” _تجوزا_ لأسباب موضوعية وذاتية؛ فأما الموضوعي منها، فنظرا لغياب إعلام تم إخصاؤه منذ استقرت قناعة خادعة حول الإعلام بوصفه سلطة رابعة مستقلة، لا أعني استقلاله عن السلط الثلاثة، بل أقصد أن الصحافة عندنا لم تكن يوما مستقلة عن تربية حاملها وصانع خطها التحريري، ومبتكر محتواها. إنها وظيفة متعددة الأبعاد. وفي مثل هذا الوضع، ما قيمة رأي يتيم في مستنقع آراء متطوحة؟ وأما الذاتي منها، فهو القرف الناتج عن الوعي بنحلة إعلام تضليلي يستهتر بالوعي ويستخف بالمتلقي ويطلب منك أن تكون شاهد زور في حفلة تنكرية غبية، تكون وحدك فيها بلا قناع.
لكن هذا لا يمنع من دراسة أشكال المخاتلة، لتطوير رؤية وتقدير موقف، ليس حول الحدث، بل حول تأويل الحدث. فالمغالطة اليوم في مقاربة الحدث هي في حد ذاتها حدث يستحق العناء، ولا يمكن تجاهله.
إن همروجة النقيضين المزيفين في بلاتوهات التضليل البليدة والمتبلدة، هي درس في المغالطة الميديولوجية؛ طرفان يحملان القناعة العميقة نفسها، لكن انقلاب الصورة هنا خدعة وظيفية بامتياز. سليل جماعة أسست على التكفير مثلا، تتمثل دور النضال الشغوف مقابل طرف يمثل الموقف العميق للطرف الآخر. وتمضي الخدعة ببراءة، لأن ضامنها هو متلقي يجهل كوعه من بوعه، وأيضا لأن المخاتل العلوي يستغل عند صنف آخر، حالة مضطربة تتراوح ما بين الشعور الحاد باليتم الجوسياسي ونقص مرير في الحنان الثيولوجي، وبين مركب ستوكهولم المفرط المقوض لملكة الوفاء. وهذا يعني أن الإعلام التضليل هو بصدد استغلال ذوي الاحتياجات الخاصة؛ وهم عوام الجمهور الفاقد للمناعة المعرفية، أو من في وضعية اضطراب شعوري بالفقد.
غير أن المفارقة هنا تكمن في لعبة الشعارات المزيفة، حيث تقول الأطروحة لأختها التي من جنسها، في غياب النقيض: أنتم تتبعون العواطف وتتجاهلون الواقعية. الغريب أن يقال هذا لمحترفين من سراق الله، أدركوا من أين تؤكل الكتف، تخبرونا مسالك الوصولية، وركبوا صعائب الأمواج، وكأنهم عاطفيون وطوباويون حقا، وليسوا أصلا تيارا انتهازيا يعرف العزف على المصالح باسم الواقعية. هل من يلعب على حبال السياسة ويتمكن من عسيلة السلطة، ويزحف كالأفعى الرقطاء، هو مثالي وطوباوي؟ حتى شهور قليلة مضت كان هؤلاء المخاتلون يعتبرون القضية مجرد مسرحية، ما الذي تغير سوى النط السعداني على أغصان المصالح؟
ستستصغر موقفك أمام هذا التمسرح الميديولوجي. الضخ الاعلامي، شعار الإقناع، الدياليكتيك الزائف، تلويث المفاهيم، وجوه عليها غبرة لا تبشر بخير، يحسبون أنهم على ذكاء خارق، لكن اطمئنوا نحن نعرفكم ونؤرخ لمغالطاتكم.
لا يمكن تقدير الموقف على أساس توزيع جزافي للعناوين؛ فما أكثر التوصيف وما أقل الإنصاف. ومع ذلك يستمر الطنز الميديولوجي!
كاتب مغربي