ميشيل شحادة.
من الصعب فهم الحرب الدائرة اليوم على إيران إذا حُصرت في إطارها العسكري المباشر، وكأنها مجرد مواجهة محدودة بين دولتين أو رد فعل على حدث معين. فمثل هذا التفسير الضيق يغفل السياق الأوسع الذي تتحرك فيه هذه الحرب، ويتجاهل شبكة المصالح والصراعات التي تحيط بها. ما يجري في الحقيقة يتجاوز بكثير تبادل الضربات العسكرية، ليكشف عن مشروع أوسع يسعى إلى إعادة إخضاع الإقليم سياسيا واقتصاديا ونفسيا، مع تحميل شعوبه كلفة هذا الإخضاع. إن المنطقة تشهد لحظة مفصلية يعاد فيها رسم موازين القوى، ليس فقط داخل “الشرق الأوسط،” بل في إطار الصراع الأوسع حول شكل النظام الدولي في العقود القادمة.
الخطاب الإعلامي السائد يركز عادة على مفاهيم مثل “الردع” أو “حماية الأمن” أو “منع التهديدات،” وهي شعارات تبدو في ظاهرها مبررات أمنية تقليدية. غير أن النقاش الحقيقي حول الأهداف الجيوسياسية العميقة للحرب يكاد يكون غائبا. فالقضية لا تتعلق فقط بإيران كدولة، بل بمحاولة إعادة تشكيل ميزان القوى في منطقة غرب آسيا، وكبح صعود قوى إقليمية تسعى إلى قدر أكبر من الاستقلال في قرارها السياسي. هذه المحاولة تتقاطع بدورها مع صراع أوسع يدور على مستوى النظام الدولي، حيث يتزايد الحديث عن نهاية مرحلة الهيمنة الأحادية وبروز نظام عالمي أكثر تعددية. ومن هنا يمكن فهم التصعيد ليس كحادث معزول، بل كجزء من محاولة لإبطاء هذا التحول أو توجيهه بما يحافظ على البنية التقليدية للنفوذ الدولي بقيادة الولايات المتحدة.
إن أي مواجهة واسعة مع إيران لا يمكن أن تبقى محصورة في حدودها الجغرافية، لأن إيران ليست مجرد دولة إقليمية عادية، بل لاعب مهم في شبكة العلاقات الدولية التي تتشكل اليوم. وفي حال توسع الصراع، فإن ذلك قد يدفع قوى كبرى مثل روسيا والصين إلى تعزيز تعاونها ومواقفها في مواجهة الهيمنة الغربية، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. ولهذا فإن الحرب على إيران تحمل في طياتها أبعادا تتجاوز “الشرق الأوسط،” لأنها قد تسرع عملية إعادة تشكيل النظام الدولي نفسه. فالصراعات الإقليمية في كثير من الأحيان تتحول إلى ساحات تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى، وقد تصبح هذه الحرب إحدى اللحظات التي تكشف بوضوح عن انتقال العالم من مرحلة إلى أخرى.
ولا يمكن فصل هذا البعد السياسي عن البعد الاقتصادي العالمي، خصوصا في ما يتعلق بالطاقة. فإيران تقع في قلب أهم ممرات الطاقة في العالم، ويكفي النظر إلى مضيق هرمز لفهم حجم المخاطر الكامنة في أي تصعيد عسكري أكبر في المنطقة. هذا المضيق يشكل أحد الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمي، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط والغاز، الى جانب الاسمدة الهامة لسلة الغذاء العالمي. ولذلك فإن أي اضطراب في هذه المنطقة لا يقتصر أثره على الدول المتحاربة، بل يمتد ليشمل الاقتصاد العالمي بأسره. ومع ذلك، فإن التحليل الإعلامي غالبا ما يتعامل مع هذه المسألة بشكل سطحي، من خلال الحديث عن ارتفاع الأسعار أو اضطراب الأسواق، دون التوقف عند السؤال الأعمق: كيف يمكن لهذه الحرب أن تتحول إلى أداة لإعادة ترتيب موازين القوة الاقتصادية، وإعادة توزيع النفوذ في أسواق الطاقة والنقل البحري.
في السياق ذاته، يصعب فهم التصعيد مع إيران دون ربطه بالحرب الدائرة في غزة ولبنان. فالإعلام يتعامل مع هذه الأحداث وكأنها مسارات منفصلة، بينما تشير الوقائع إلى وجود ترابط واضح بينها. لقد كشفت حربي غزة ولبنان عن أزمة عميقة في بنية النظام الإقليمي، ووضعت الكيان الصهيوني أمام تحديات سياسية وعسكرية غير مسبوقة. وفي هذا الإطار، يمكن النظر إلى التصعيد مع إيران بوصفه جزءا من محاولة لإعادة تشكيل المعادلة الإقليمية بعد غزة ولبنان، سواء عبر توسيع دائرة الصراع أو من خلال إعادة تعريف مفهوم الردع في المنطقة.
إن الربط بين هذه الساحات يفتح بابا لفهم أوسع لما يجري، ويكشف أن الحرب ليست مجرد سلسلة من الأحداث المنفصلة، بل جزء من عملية إعادة تشكيل للمشهد الإقليمي بأكمله. كما أن ترابط هذه الساحات يعني ترابط نتائج الحرب عليها مباشرة، سواء من حيث تثبيت موقع إيران الإقليمي، أو تغيير معادلة الردع بين لبنان والعدو الصهيوني، أو التأثير في التوازن الداخلي اللبناني بما يعزز موقع المقاومة، ويمهد لتحولات أوسع في مسار الصراع من أجل تحرير فلسطين من البحر إلى النهر.
غير أن الحروب الحديثة لا تُخاض فقط على الأرض أو في السماء، بل أيضا في الفضاء الإعلامي والنفسي. فإلى جانب العمليات العسكرية، تدور حرب موازية تهدف إلى تشكيل الرأي العام وتوجيه إدراكه للأحداث. هذه الحرب الإعلامية تعتمد على خطاب لغوي وسياسي يعيد تعريف الوقائع، حيث يتحول العدوان إلى “دفاع”، ويتحول التصعيد إلى “حماية للاستقرار”. كما يتم التركيز على تفاصيل معينة وإغفال أخرى، بما يخلق صورة انتقائية للأحداث تخدم أهدافا سياسية محددة. إن فهم هذه الحرب الإعلامية ضروري لفهم الحرب نفسها، لأن السيطرة على الرواية أصبحت جزءا أساسيا من إدارة الصراعات في العصر الحديث.
لكن بعيدا عن الحسابات الاستراتيجية والخطابات السياسية، يبقى الوجه الأكثر قسوة للحرب هو أثرها على الإنسان العادي. فالحروب الكبرى لا تقاس فقط بعدد الصواريخ أو حجم الدمار العسكري، بل بما تخلفه من آثار عميقة في حياة المجتمعات. عندما تتصاعد التوترات في منطقة حيوية مثل الخليج، فإن ذلك ينعكس فورا على الاقتصاد والأسواق والقدرة الشرائية للناس. ترتفع الأسعار، تتراجع فرص العمل، وتزداد حالة القلق وعدم اليقين. وفي كثير من الأحيان، يجد المواطن العادي نفسه يدفع ثمن صراعات لم يكن طرفا فيها ولم يشارك في صنعها.
والأخطر من ذلك أن الحرب مع إيران قد لا تبقى محصورة داخل حدودها الجغرافية. فالمنطقة مليئة ببؤر التوتر والتشابكات السياسية والعسكرية، ما يجعل أي تصعيد واسع قابلا للامتداد إلى عدة ساحات في وقت واحد. مثل هذا السيناريو قد يقود إلى حرب إقليمية واسعة تحمل تداعيات إنسانية واقتصادية هائلة. فكل حرب كبيرة في منطقة غرب آسيا لا تبقى محلية لفترة طويلة، بل سرعان ما تتحول إلى صراع إقليمي تتداخل فيه حسابات عدة أطراف.
وفي خضم هذه التحولات الكبرى يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: أين حركات التحرر العربية؟ وأين المشروع العربي القادر على تقديم رؤية متكاملة تخرج العالم العربي من دائرة التبعية للأجنبي، ومن حالة الضعف والتخلف التي يعيشها رغم ما يمتلكه من ثروات طبيعية وبشرية هائلة؟ إن المشكلة لا تكمن فقط في الحروب التي تُفرض على المنطقة، بل أيضا في غياب مشروع عربي قادر على تحويل هذه القوة الكامنة إلى قوة فعلية. فالعالم العربي ما زال يعيش ضمن نظام إقليمي تشكل في سياق تاريخي صاغته القوى الاستعمارية، حيث فرضت اتفاقيات سايكس–بيكو حدودا سياسية وبنى اقتصادية جعلت المنطقة جزءا تابعا في منظومة الهيمنة العالمية.
اليوم، ومع اهتزاز هذا النظام الإقليمي تحت ضغط الحروب والأزمات المتلاحقة، تبدو الحاجة ملحة إلى مشروع عربي تحرري يعيد التفكير في مستقبل المنطقة على أسس جديدة. مشروع يقوم على استقلال القرار السياسي، وعلى التكامل الاقتصادي الحقيقي بين الدول العربية، وعلى استثمار الثروات الطبيعية والبشرية بما يخدم مصالح شعوبها. فبدون مثل هذا المشروع ستظل المنطقة تدور في حلقة مفرغة من الصراعات، حيث تُفرض عليها الحروب من الخارج بينما تبقى عاجزة عن صياغة مستقبلها بيدها.
كما أن التجربة التاريخية للمنطقة تُظهر أن لحظات الأزمات الكبرى غالبا ما تكون أيضا لحظات تحول محتملة. فالنظام الإقليمي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الأولى، والذي كرس التجزئة السياسية والاقتصادية للعالم العربي، يمر اليوم بحالة من التصدع والتآكل. ومع كل أزمة جديدة تتكشف محدودية هذا النظام وعجزه عن تحقيق الأمن والتنمية لشعوب المنطقة. وهذا ما يطرح من جديد مسألة الحاجة إلى إعادة التفكير في بنية العلاقات العربية–العربية، وفي إمكانية بناء إطار إقليمي جديد يقوم على التعاون والتكامل بدلا من التنافس والضعف والتشرذم .
إن الحرب على إيران، في نهاية المطاف، ليست مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل لحظة كاشفة عن صراع أعمق حول شكل “الشرق الأوسط” وموقعه في العالم. إنها حرب تتقاطع فيها الجغرافيا السياسية مع الاقتصاد العالمي، وتتداخل فيها الروايات الإعلامية مع معاناة البشر العاديين. وبينما تعاد رسم الخرائط وتصاغ الخطابات، يبقى السؤال الأكثر إلحاحا هو ما إذا كانت شعوب المنطقة وقواها الحية قادرة على تحويل هذه اللحظة التاريخية إلى فرصة لإعادة بناء مشروعها التحرري العربي، أم أنها ستظل تدفع ثمن صراعات تفرض عليها بينما يظل مستقبلها مرهونا بإرادة الآخرين.
كاتب فلسطيني

