تشهد الساحة السياسية في الشرق الأوسط فصلاً جديداً من فصول الصراع، حيث تبرز تناقضات إيران كعامل حسم في صياغة التحالفات الإقليمية الراهنة. لم يعد المشهد مجرد خلاف ديبلوماسي عابر، بل تحول إلى مواجهة وجودية كشفت زيف الشعارات التي روج لها نظام ولاية الفقيه لعقود طويلة تحت لافتة نصرة المستضعفين. وبينما تتصاعد أعمدة الدخان من منشآت حيوية ومدنية في عواصم الخليج، يجد العالم نفسه أمام استراتيجية إيرانية مزدوجة توظف الخداع وسيلة للبقاء.
وحسب تقرير لـ “اندبندنت عربية” ومراكز أبحاث دولية، فإن العقيدة السياسية لطهران تعيش حالة من التخبط الاستراتيجي الذي جعلها مكشوفة الظهر في توقيت حرج. فبينما ينص الدستور الإيراني على دعم القضايا العادلة، تترجم الأفعال على الأرض إلى تمويل ميليشيات طائفية مزقت النسيج الاجتماعي في دول عربية عدة. هذا السلوك العدواني الممنهج يعكس جوهر تناقضات إيران التي تدعي احترام السيادة الوطنية وتعمل في الوقت ذاته على تقويضها عبر أذرعها المسلحة المنتشرة بالمنطقة.
تبدو المفارقة الصارخة في توظيف القضية الفلسطينية كمجرد ورقة ضغط لتحسين شروط التفاوض مع القوى الغربية حول الملف النووي المثير للجدل. لقد أثبتت المحطات التاريخية، من صفقة “إيران كنترا” وصولاً إلى التصعيد الأخير، أن الشعارات التعبوية المرفوعة لتحرير القدس لا تتجاوز كونها أداة بروباغندا سياسية. ففي اللحظات الحقيقية للمواجهة، تكتفي طهران بالفرجة بينما تشتعل المنطقة، مما يكرس مفهوم تناقضات إيران في الوعي الجمعي العربي الذي سئم المتاجرة بقضاياه المصيرية.
وفي قلب هذا المشهد المتفجر، يظهر استهداف المنشآت النفطية والمطارات المدنية في السعودية والإمارات وعمان كدليل قاطع على غياب الرؤية الاستراتيجية الرصينة. تحاول طهران تبرير هذه الاعتداءات الغادرة بذريعة الدفاع عن النفس، لكن الواقع يثبت أنها تسعى لابتزاز العواصم العربية وضرب نموذجها التنموي الناجح. إن هذا التهور العسكري يكشف بوضوح عن تناقضات إيران التي تدعو لأمن المنطقة في الصباح، وترسل مسيراتها الانتحارية لتدمير ذلك الأمن في المساء.
الخداع الاستراتيجي وسقوط أقنعة الدبلوماسية
يرى خبراء دوليون أن لجوء النظام الإيراني إلى الدبلوماسية ليس سعياً للسلام، بل هو تكتيك متعمد لكسب الوقت وتخفيف الضغوط الدولية المتزايدة. فالمفاوضات بالنسبة لصانع القرار في طهران هي مجرد “دخان ساتر” يغطي على استمرار الطموحات التوسعية والبرامج العسكرية المهددة للاستقرار العالمي. تتقن إيران فن الانحناء أمام العاصفة دون تغيير اتجاهها الحقيقي، مما يجعل التعامل معها محفوفاً بالمخاطر والشكوك الدائمة لدى المجتمع الدولي المتيقظ لهذه المناورات.
وتشير التحليلات السياسية إلى أن توزيع الأدوار بين الجناح الدبلوماسي والحرس الثوري يهدف إلى خلق حالة من الضبابية القانونية والسياسية المربكة. فبينما يتحدث الدبلوماسيون بلغة القانون الدولي في المحافل الأممية، يتحرك القادة العسكريون في الميدان لانتهاك ذات القوانين عبر تزويد الميليشيات بتقنيات متطورة. هذا الانفصام الهيكلي يغذي تناقضات إيران ويجعل من الصعب الوثوق بأي تعهدات رسمية تصدر عن النظام، الذي يبدو كأنه يدار برأسين متناحرين في الأهداف والوسائل.
لقد أثارت الادعاءات الإيرانية الأخيرة بشأن الطائرات المسيرة استهجاناً واسعاً، حين زعم مسؤولون أن الهجمات التي طالت المدن الخليجية هي نسخ مزورة أطلقها الأمريكيون. هذه الروايات المتهافتة تعكس حالة من الإفلاس السياسي ومحاولة يائسة للتنصل من المسؤولية المباشرة عن جرائم الحرب المرتكبة ضد المدنيين. إن الهروب إلى الأمام بتبني نظريات المؤامرة لا يساهم إلا في تعميق العزلة الإيرانية وفقدان ما تبقى من مصداقية للنظام في الفضاء الدبلوماسي العالمي.
وتؤكد الباحثة مرح البقاعي أن النهج الإيراني القائم على الغدر قد أفقد طهران عمقها الجغرافي والسياسي في منطقة الخليج العربي لسنوات طويلة قادمة. فالدول الخليجية التي التزمت بأقصى درجات ضبط النفس، وحاولت التوسط لتجنيب المنطقة ويلات الحرب، قوبلت بطعنات في الظهر عبر هجمات صاروخية يومية. هذا السلوك العدائي غير المبرر وضع دول المنطقة أمام خيار وحيد وهو تعزيز التحالفات الدفاعية مع القوى الدولية لردع التغول الإيراني المستمر.
انقلاب المزاج الشعبي من التعاطف إلى النقمة
وثق مركز الخليج للأبحاث تحولاً جذرياً ومفاجئاً في مواقف الشعوب العربية تجاه الصراع الدائر، حيث تبدلت مشاعر التعاطف الأولي مع إيران إلى غضب عارم. ففي بداية الحملة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية، نُظر إلى الأمر كعدوان يستهدف دولة إسلامية، مما أثار موجة من التضامن الشعبي التلقائي. لكن الصواريخ الإيرانية التي سقطت على الأحياء السكنية والمرافق المدنية في البحرين والكويت غيرت المعادلة تماماً، وحولت الأنظار نحو العدو الحقيقي المتربص بالجيران.
إن استهداف المنشآت الحيوية التي تخدم ملايين المدنيين، مثل محطات المياه والطاقة، كشف عن وجه قبيح للنظام لا يراعي حرمة الجوار أو وشائج الدين. هذا التحول الحاد في المزاج العام سيفرض ضغوطاً هائلة على الحكومات الخليجية لتبني سياسات أكثر صرامة وحزماً في مواجهة التهديدات الإيرانية. فلم يعد من الممكن تسويق فكرة “الأخوة الإسلامية” في ظل وجود تهديد مباشر يستهدف أمن واستقرار البيت الخليجي من الداخل بأسلحة إيرانية الصنع.
ولعل “خاتمة لاريجاني” قبل مقتله تلخص حجم المأزق الذي وصلت إليه البلاد، حين اشتكى من عدم وقوف أي دولة إسلامية إلى جانب الشعب الإيراني. هذا التساؤل المتأخر يعكس جهلاً عميقاً بالواقع، فكيف ينتظر النظام دعماً من شعوب كان هو السبب الرئيس في تشريدها وترويعها عبر سنوات مضت. إن العزلة التي تعيشها طهران اليوم هي نتاج طبيعي لسياسات “تصدير الثورة” التي لم تصدر للجوار سوى الخراب والدمار والصراعات الطائفية.
وفي غضون ساعات قليلة من الضربات الانتقامية، أصدرت العواصم الخليجية بيانات إدانة تاريخية لم تكن مجرد تعبير عن القلق الدبلوماسي المعتاد بل إعلانات نعي واضحة. لقد انتهت أعوام التهدئة والاستقرار التي استثمرت فيها دول المنطقة بجهد جهيد، لتبدأ مرحلة جديدة من المواجهة المفتوحة على كل الاحتمالات. لقد أحرقت إيران كل الجسور التي بناها الحكماء، مفضلة لغة الصواريخ على لغة الحوار والبناء المشترك لمستقبل المنطقة وشعوبها المتطلعة للاستقرار.
تآكل الشرعية وسقوط سردية محور المقاومة
بنى النظام الإيراني شرعيته الإقليمية على مدى أربعة عقود عبر سردية “محور المقاومة”، مصوراً نفسه كحامي الحمى والمدافع الوحيد عن قضايا الأمة الكبرى. لكن في صباح واحد، دمرت الصواريخ الباليستية الإيرانية هذه السردية بالكامل عندما أخطأت طريقها نحو “العدو” واستهدفت عواصم ومدن المسلمين المسالمة. هذا السقوط الأخلاقي المروع أثبت أن بوصلة النظام لم تكن يوماً موجهة نحو القدس، بل نحو الهيمنة وبسط النفوذ على حساب دماء الشعوب العربية.
ويرى المحللون أن الدعاية الخطابية التي تمارسها منصات الإعلام التابعة للمحور الإيراني تحاول جاهدة التغطية على التراجع العسكري الميداني الواضح أمام الضربات المتلاحقة. فكلما خفت وتيرة الزخم القتالي، تضاعفت وتيرة الشحن العاطفي والتحليل المضلل عبر الشاشات لمحاولة الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية المنهارة. لكن هذه الضوضاء الإعلامية لا تستطيع حجب حقيقة أن سماء الخليج باتت مسرحاً لعدوان إيراني صريح لا يمكن تبريره بأي منطق سياسي أو ديني سليم.
إن استدعاء نصوص دينية حول وحدة الأمة ونصرة المسلمين في توقيت متأخر يكشف عن انتهازية سياسية فجة وعجز استراتيجي خانق يواجهه قادة طهران. فمن يوجه صواريخه نحو بلاد الحرمين الشريفين في شهر رمضان المبارك، لا يملك الحق الأخلاقي في الحديث عن قيم الإسلام أو الدفاع عن مقدساته. لقد انتهكت طهران حرمة الزمان والمكان، وروعت المعتمرين والزوار من كل حدب وصوب، مما جعلها في مواجهة مباشرة مع ضمير العالم الإسلامي بأسره.
لقد وقع النظام الإيراني في الفخ الذي نصبه لغيره، حيث أدت سياسات “الخداع الاستراتيجي” إلى نتيجة عكسية تماماً، وهي توحيد العالم العربي والمجتمع الدولي ضده. إن الرد غير المدروس على الضغوط الخارجية باستهداف الجيران لم يزد الموقف إلا تعقيداً، وجعل من فكرة تغيير النظام مطلباً يتردد صداه في أروقة السياسة الدولية. تقف طهران اليوم عند حافة الهاوية، وحيدة بلا حلفاء حقيقيين، بعدما أحرقت بيديها آخر أوراق المناورة التي كانت تمتلكها.
مراجعات اللحظة الأخيرة وفرص النجاة الضئيلة
مع تزايد الضغوط العسكرية والاقتصادية، بدأت تظهر أصوات داخل النظام تطالب بوقفة جادة ومراجعة شاملة للعلاقات القائمة مع دول الجوار الخليجي قبل فوات الأوان. فاعتذار الرئيس بزشكيان، وتصريحات السفير عنايتي حول ضرورة المراجعة، تشير إلى وجود تيار يدرك فداحة الخسائر الاستراتيجية التي منيت بها البلاد بسبب تهور الصقور. لكن هذه التحركات تبدو حتى الآن خجولة وغير قادرة على لجم طموحات الحرس الثوري الذي لا يزال يمسك بمفاصل القرار الفعلي.
إن المعادلة الصعبة التي يواجهها النظام الآن هي إما التكيف مع واقع إقليمي جديد يتطلب التخلي عن الأطماع التوسعية، أو مواجهة انهيار داخلي وشيك. فالضغوط الخارجية لم تعد تقتصر على العقوبات الاقتصادية، بل انتقلت إلى استهداف مباشر لمفاصل القوة العسكرية والتقنية داخل العمق الإيراني نفسه. وفي ظل انكشاف الغطاء الجوي وفشل المنظومات الدفاعية في حماية المنشآت الحيوية، يصبح الاستمرار في نهج التصعيد بمثابة انتحار سياسي وعسكري كامل الأركان.
وفي ختام هذا المشهد، تبرز السعودية كقطب استقرار وقوة قيادية نجحت في حماية مكتسباتها التنموية رغم كل الاستهدافات والمؤامرات المحاكة ضدها لسنوات طويلة. لقد أثبتت المملكة أن بناء الدول وحماية المقدسات يتطلب حكمة وبصيرة، وليس صواريخ وميليشيات عابرة للحدود تنشر الفوضى أينما حلت. وستبقى الشعوب الإسلامية تذكر الفرق بين من سخر إمكاناته لخدمة ضيوف الرحمن وبناء المستقبل، ومن سخرها لترويع الآمنين ومحاولة هدم المنجزات العربية.
إن فرصة المراجعة الحقيقية لإيران تضيق يوماً بعد يوم، مع تزايد القدرات الدولية على رصد ومحاسبة كل تحرك عدواني يصدر عن نظام ولاية الفقيه المتهالك. وإذا لم تدرك طهران أن زمن الخداع قد ولى، فإنها ستجد نفسها في مواجهة عاصفة لن تبقي ولن تذر، يقودها إقليم صمم على انتزاع أمنه واستقراره. ستبقى الحقيقة الماثلة للعيان هي أن القوة الحقيقية للدول تكمن في صدق مواقفها وحسن جوارها، لا في ترسانات صاروخية تبنى على أنقاض الشعوب.
.
.

