يُعد كحك العيد أحد أبرز طقوس الاحتفال بعيد الفطر في مصر، فهذه الأقراص الصغيرة المرشوشة بالسكر تحمل تاريخًا طويلًا يمتد لآلاف السنين، ويكشف كيف انتقلت تقاليد إعدادها من الحضارة المصرية القديمة مرورًا بالعصور الإسلامية، حتى وصلت إلى موائد المصريين اليوم.
وفي هذا التقرير، تكشف المهندسة سميرة عبد القادر، الكاتبة والمؤرخة في التراث الغذائي ومؤلفة كتاب «الطبخ أصله مصري»، في تصريحات خاصة لـ«الشروق»، حكاية الكحك التاريخية وتطوره عبر العصور.
متى ظهر كحك العيد في مصر لأول مرة؟
تؤكد المؤرخة سميرة أن الكحك ليس مجرد حلوى موسمية، بل جزء أصيل من الهوية الثقافية المصرية، وله جذور تعود إلى مصر القديمة، حيث تُظهر الجداريات والنقوش أن المصريين القدماء صنعوا أنواعًا من الكعك كانت تُقدم ضمن القرابين والاحتفالات الدينية، وكان يُنقش عليها شكل قرص الشمس رمز الإله رع، موضحة أن هذه النقوش لم تكن للزينة فقط، بل كانت تساعد على تسوية الكحك من الداخل.
وأضافت أن المؤرخ اليوناني هيرودوت أشار إلى اهتمام المصريين بصناعة الكعك، خاصة طريقة تبسيس العجين وخلط السمن بالدقيق، وهي الطريقة التي لا تزال مستخدمة حتى اليوم، وهو ما يعكس استمرارية هذا التراث عبر آلاف السنين.
وأوضحت أن صناعة الكحك ازدهرت بشكل كبير في العصرين الطولوني والفاطمي، خاصة بعد أن أصبحت القاهرة مركزًا للخلافة، حيث ذكر المؤرخون وجود أكثر من 56 نوعًا من الكحك في العصر الفاطمي، لم يبق منها اليوم سوى عدد محدود مثل الكحك والغريبة.
تشابه بين كحك الأمس واليوم
وأشارت إلى أنه لا توجد وصفات مكتوبة دقيقة من مصر القديمة توضح شكل الكحك بالكامل، لكن الأدلة الأثرية ووصف الرحالة تشير إلى تشابه كبير مع الكحك الحالي، سواء في طريقة التحضير أو النقوش، كما تم العثور على قوالب نقش في المقابر تشبه القوالب المستخدمة حاليًا في صناعة المعمول، وهو ما يؤكد استمرارية هذا التقليد عبر العصور.
وأضافت أن التأثير المصري امتد إلى خارج الحدود، إذ انتقلت بعض أنواع الكحك إلى دول أخرى، مثل كحك الهلال أو ما يُعرف بـ«كعب الغزال» في المغرب والجزائر، والذي تشير المصادر إلى أنه ظهر في مصر منذ العصر الطولوني.
قصة النقوش التي كانت تُطبع على الكحك قديمًا
وأوضحت أن النقوش في البداية كانت تحمل رموزًا دينية مرتبطة بالشمس والإله رع في مصر القديمة، ثم انتقلت هذه العادة إلى شعوب أخرى، مشيرة إلى أن الفرس كانوا من أوائل من تبنوا بعض التقاليد المصرية خلال وجودهم في مصر.
وأضافت أن النقوش تطورت في العصور الإسلامية، خاصة في العصر الفاطمي، حيث كانت تُكتب عبارات مثل «كل واشكر»، وكان يتم توزيع الكحك في الأعياد، وأحيانًا يوضع بداخله دنانير ذهبية كرمز للكرم والعطاء من قبل الحكام.
وأكدت أن ارتباط الكحك بعيد الفطر لا ينفي كونه رمزًا عامًا للاحتفال بالأعياد في مصر عبر التاريخ، سواء في العصور القديمة أو في العصور الإسلامية، بل وحتى في بعض المناسبات لدى الأقباط.
اختلاف العادات والنكهات من الريف إلى المدينة
وأضافت أن الكحك والبسكويت والغريبة والبتيفور هي الأنواع الأكثر انتشارًا حاليًا، مشيرة إلى أن بعض هذه الأصناف لها جذور قديمة جدًا، مثل الغريبة التي ورد ذكرها في كتب تراثية، منها «كنز الفوائد في تنويع الموائد» و«وصف الأطعمة المعتادة» في القرن الثالث عشر.
وأوضحت أن العادات تختلف من محافظة لأخرى، حيث ما زالت بعض القرى تحتفظ بأشكال قديمة مثل كحك الأساور والقراقيش، مع اختلافات في القوام والتسمية بحسب كل منطقة، بينما اكتفت المدن الكبرى بعدد محدود من الأنواع.
واختتمت المؤرخة حديثها مؤكدة أن كحك العيد يمثل جزءًا أصيلًا من الهوية الثقافية المصرية، ويعكس تاريخًا طويلًا من العادات الغذائية المرتبطة بالمناسبات، وهو تراث يستحق الحفاظ عليه والاعتزاز به.

