إبراهيم مشارة.

عائشة عبد الرّحمن (بنت الشّاطئ) إحدى كاتبات مصر الرائدات جمعت في كتاباتها بين جمال العبارة وسمو المعنى وغزارة الثقافة ، وإن بُحث عن سبب هذا التميز بين كاتبات جيلها فلا يمكن رده إلاّ إلى الخلفية الثقافية والتنشئة الاجتماعية ، فأحد أجدادها لأمها الشيخ  الدّمهوجي تولى مشيخة الأزهر (1830/1831) ، وينتهي نسبها من جهة أبيها إلى البيت الحسيني الشريف ، وسوف يكون  لذلك أثره في اتجاه الكاتبة نحو التصوف ومعالجة شؤون المعرفة والحياة بالذوق ومكابدة البحث عن الحقيقة بالشوق على طريق الحب كما كان ذلك شأن كبار متصوفة الإسلام.
كان  ميلادها عام 1912  لوالد من شبرا بخوم بريف المنوفية له مكانة في القرية علما وأدبا وتصوفا ، احتوت مكتبته على ذخائر الأدب وعلوم اللغة والدين، تلك الكتب التي سوف تعبّ منها الكاتبة ويزيدها الوالد بتوجيهاته رسوخا وسعة ،وبين تربيتها كذلك في بيت جدها لأمها في دمياط بين خدم البيت مثل “الدّادة حليمة “و”العم مبروك” وقد  خصاها بالحدب والحب الكبير ،ومن الخدم وعت مأساة الرق في مصر كذلك، وعلى شاطئ النهر الذي أغرمت به تأملا ولعبا بمائه وهي صغيرة متأملة المراكب العابرة والراسية  وأقاصيص الجن الذين يخطفون الناس إلى الأعماق ،وكانت تلك حيلة لتخويف الصغار من مخاطر الغرق إن هم همّوا بالسباحة أو اللعب بمائه ، وقد غرقت  جدتها لأمها فشكل لذلك حزنا عميقا في البيت.
لقد كان والدها ابن المنوفية الذي حل بدمياط مدرسا بمدرسة دمياط الابتدائية الأميرية للبنين، وفي هذه البلدة المشهورة بكثرة مساجدها وأضرحة الصوفية استقر له المقام  وغدا معلّما بالمعهد الديني في جامع البحر ، وتزوج من حفيدة الشيخ الدّمهوجي شيخ الأزهر،  حيث ولدت عائشة التي سماها  والدها  كذلك تيمنا باسم أم  المؤمنين وكنّاها أم الخير فرحا بمقدمها لا ضيقا منها كونها أنثى كما يفعل البعض في الضيق من ولادة البنات.
وأثناء عطلة الصيف كان الوالد يعود إلى مسقط رأسه ليقضي العطلة هناك ، وأسلم البنت وهي في الخامسة إلى فقيه الكتاب الشيخ مرسي  لتحفظ القرآن  الكريم ، وهذه الزيارات الصيفية إلى القرية  مكنتها من حفظ القرآن الكريم . أما في دمياط حيث كان الوالد يدرس فكانت البنت  ترافقه وتستمع إليه  وهو يقدم دروسه مما وسع من ثقافتها اللغوية والدينية وهي ما تزال صبية حديثة عهد بالدراسة ، كما كانت  تحضر المجالس العلمية التي كان يعقدها والدها بمعية علماء البلدة ، وتحت إلحاح الجد وافق الأب على تعليم البنت بالمدرسة الأميرية 1918، فقد كان أول الأمر يعارض ذلك بشدة مكتفيا بما تحفظ من القرآن الكريم وما كان يعلمه هو وما كانت تأخذه من  كتب اللغة والدين الموجودة في مكتبة البيت .
لكن رغبة البنت كانت شديدة في مواصلة التعلم والاستزادة من الثقافة ،وقد كان جدها سندها في إقناع الأب بتركها تغشى المدارس الحديثة أسوة بفتيات مصرفي العصر الحديث وكان الأب محافظا يرى في الثقافة الحديثة وباء أخلاقيا ومفسدة لأخلاق الجيل  فالثقافة الحقيقية هي الثقافة السلفية  وأما ثقافة العصر الحديث فهي تجتث الفتى والفتاة من جذورهما وتحيلهما إلى مسخ ، وهكذا التحقت البنت بمدرسة المعلمات بالمنصورة أول الأمر ثم بطنطا  وحلوان مع رفض والدها الدائم  إلا أنه  كان يغلب على أمره من جدها لأمها ومن المحيط الذي كان يرى أمارات النبوغ والإصرار في البنت ، ولما تقدمت للامتحان الشفهي  للسنة النهائية بهرت اللجنة بمحفوظها  من الشعر العربي القديم والحديث كما قرأت عليها من شعرها في الحنين إلى دمياط:
دمياط حبك حركت أشجانه
آلام قلب في الغرام مصفد
 مما جعل اللجنة تنصحها بالتوجه إلى الجامعة عوض الاكتفاء بممارسة التعليم كمدرّسة .
بدأت مشوارها مدرسة بمدرسة المنصورة عاما ونصف ولكنها أشبعت رغبتها الأدبية  بمطالعة كتب الأدب الحديث وقرأت للمنفلوطي وجرجي زيدان  وطه حسين والرافعي وهي كتب ممنوعة في بيت والدها ذي النظرة المحافظ جدا.
وإصرارا منها على نيل البكالوريا في الشعبة الأدبية عام 1934 استعدت للامتحان حتى نالت الشهادة  من المنزل محطمة القيود الطبقية ،كونها من عائلة مغمورة ريفية ، وظهرت ميولها الأدبية فيما كانت تنشره في مجلة “النهضة النسائية”  خاصة قصيدتها “في الحنين إلى دمياط ” وتوالى النشر تباعا كما نشرت بالبلاغ وكوكب الشرق ولتوسيع النشر بالصحافة السيارة  ورغبتها في تعريف القارئ أكثر بإبداعها وتوسيع دائرة القراء  اختارت اسم بنت الشاطئ كاسم مستعار  نشرت به في جريدة الأهرام  ويرجع ذلك إلى خوفها من الأب إن نشرت باسمها الحقيقي،فهو دائما محافظ يرى ثقافة العصر وصحافته تهدم القيم وتقوض الثقافة العربية الإسلامية الأصيلة.،وسيكون هذا الاسم المستعار المستلهم من الماء بما هو رمز للحياة والخصب ومن النيل الجاري أبدا السخي سرمدا ملهما ورافدا معنويا للكاتبة في مستهل سيرتها الإبداعية.
لقد كان الأب يعتبر ذلك مروقا ومبعثا لغضبه وهي الحريصة  على طاعته وعدم إغضابه ،لكنها تتفهم سبب ثورته لخلفيته الدينية وتنشئته الاجتماعية المحافظة  فتبرّه دون أن تتخلى عن أهدافها وتنمية مواهبها.
لكن هل يقبل الأب دخول البنت إلى الجامعة ؟ ذلك دونه خرط القتاد  لقد جاوزت البنت الحد المسموح للتعلّم  وليس لها إلا أن تستعد للزواج  وتكف عن العمل مكتفية بما حفظت من القرآن الكريم وما تلقت من  معرفة على يد والدها وما تعلمته في البيت  من مطالعاتها الشخصية  وما تلقته في مدارس المنصورة وطنطا وحلوان  وهو شيء كثير وأكثر من اللازم قياسا إلى  موقف الأب في التعلم  أول الأمر و ورغبة في حجبها لتزويجها،  وقد كان لها خمس شقيقات ومن الذكور اثنان .
في جريدة الأهرام نبغت بنت الشاطئ واشتهرت وذاع اسمها بما كانت تنشره من شعر رائق سلس يكشف عن موهبة شعرية أصيلة وما كانت تدبجه من مقالات في الدفاع عن الريف وعن حقوق الفلاحين  والمظالم التي تلحق بهم  وليس أقلها استغلالهم من قبل الإقطاعيين، لقد كان لمقالاتها بالأهرام دوي واسع مما جعل أنطون الجميل يوصي بنشر مقالاتها دائما ثم ضمها إلى أسرة التحرير لاحقا  وهو شرف كبير أن تغدو هذه الفتاة محررة بجريدة الأهرام وقد كان غاية ما تنتهي إليه مدرّسة مغمورة بإحدى مدارس البنات الأميرية  سرعان ما تتزوج وتنشغل بتربية الأولاد  منتهية تلك الجذوة إلى رماد، جذوة النبوغ والأصالة الفكرية والشعرية والزخم الفكري والصوفي الذي جعلها كاتبة نادرة بين بنات جيلها.
في الجامعة اصطدمت بما يمكن أن يسمى حالة إحباط أو يأس مما تقدمه الجامعة فلم يزدد رصيد الكاتبة المعرفي كثيرا عما هضمته في مكتبة والدها وما اغترفت من علم على يد والدها وما تلقته في المدارس الأميرية .
لقد فكرت في هجر الجامعة وتركها لأنها خيبت أملها ولم تقدم لها جديدا فاعتزازها بثقافتها السلفية الرصينة لم يتزعزع أمام تلكؤ زميلاتها وهن يقرأن آية قرآنية  أو بيتا من الشعر ناهيك عن مطالعة مصادر الأدب القديم ، اللهم إلا أن يرطنّ بلغة أجنبية أو يتفاصحن بذكر مطبوعات أدبية حديثة ،ولم تخف الكاتبة أنها كانت تعاني من عقدة المدينة فليس كل ما يلمع ذهبا ففي الريف الأخلاق الأصيلة والعمق المعرفي والوشائج الصادقة ،في حين ليس في المدينة إلا الزيف  والسطحية والتظاهر مما جعلها تفكر في قطع دراستها بالجامعة.
لكن لقاءها بالشيخ أمين الخولي غير حياتها جذريا ونظرتها إلى الجامعة، فقد استمعت إليه محاضرا عام 1936 ،ويا للعجب كانت أول محاضرة في 06 تشرين الثاني/ نوفمبر وهو يوم عيد ميلادها ! أكان ذلك مصادفة أم تدبيرا سماويا  وعناية ربانية وتوجيها من الأقدار، ففي الوقت الذي قررت فيه  ترك الجامعة هاهي تعود وتعض عليها بالنواجذ وتنقلب حياتها رأسا على عقب بل كان ذلك اليوم 06  تشرين الثاني /نوفمبر 1936 ميلادا جديدا للكاتبة.
والشيخ أمين الخوالي إضافة إلى تمكنه من الثقافة القديمة وهو صاحب المقولة الذائعة (من أراد أن يجدد فعليه أن يقتل القديم درسا وبحثا) كان صاحب خلق رفيع وسماحة نفس وصبر على المعرفة وزادته إقامته في أوروبا ،في إيطاليا وألمانيا حيث أتقن لغة هذين البلدين مما مكنه من الاطلاع على بحوث المستشرقين ومؤلفاتهم حول القرآن  الكريم والحديث النبوي  ونشأة المذاهب الإسلامية  ،لقد جمع في إهابه بين علوم الأولين ومعارف المتأخرين  من الغربيين من فطاحل الاستشراق وهو ما كان ينقص الكثيرين ممن تصدوا للكتابة في  التجديد سواء تعلق الأمر باللغة أوالفكر أو الدين ، ويكفي دليلا على سعة علمه أنه طبق نظريات علم التأويل في دراسة النصوص القرآنية  وفتح أذهان طلابه بمنهجه الجديد هذا إلى تعدد المعنى وانفتاح التأويل ومرونته ، وليس التدريس هو سرد معارف الأولين المحفوظة في مؤلفاتهم بقدر ما صار التدقيق في كل لفظ وإشباعه بحثا في أصل ذلك اللفظ  ودلالاته وعلاقتها بما قبله وما بعده.
لقد بهر الشيخ أمين الخولي الطالبة عائشة ، كما كان  من مآثره  دفاعه عن حرمة الفكر وأصالة الرأي وحرية الكتابة  وآية ذلك  دفاعه عن تلميذه محمد أحمد خلف الله صاحب الرسالة الجامعية الإشكالية “الفن القصصي في القرآن الكريم” الذي وصل الحد إلى تكفيره ولم يستثن من ذلك الشيخ أمين الخولي أيضا.
تتلمذ الكاتبة على يد  الشيخ أمين الخولي غدا حبا وعشقا ووجدا انتهى إلى الزواج  وإلى ميلاد  ذرية بعضها من بعض ، وانتهت فيه الروحان اللتان خلقتا من نفس واحدة  والتقتا في حرم الجامعة إلى الانصهار برباط الحب فغدتا واحدا لم تزد الأيام ذلك الحب إلا رسوخا وثباتا وكأنه من الأساطير التي تروى.
في سيرتها الذاتية الموسومة “على الجسر بين الحياة والموت” في 210 صفحة شاءتها الكاتبة أن تجعلها سيرة علمية  ورصدا  لمحطات في حياتها بدءا بالنشأة والخلفية العائلية ،وقد روت ما يشبه الكرامات في توفيقها الرباني  وإصرارها على الدراسة ، إلى لقائها في الجامعة بأستاذها وزوجها بعد ذلك الشيخ أمين الخولي الذي رحل عام 1964، ويحيل العنوان على هذه الوقفة المتأملة  لعالمي الموت والحياة ، الروح والجسد، الفناء والبقاء، والانتقال بينهما،حيث تشكل الروح والفرح والبقاء المحطات النهائية للصيرورة البشرية المؤمنة مصداقا لقول القرآن الكريم: (يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي)،ولقد  رحلت الكاتبة عام 1998.
غاب الشيخ أمين الخلوي ولبى نداء ربه وترك الكاتبة والزوجة العاشقة تكابد آلام الفراق وعذابات الطريق وتباريح النأي والفراق منتظرة أن تلقى زوجها ليجتمع الشمل ثانية في عالم الأرواح في بلاد الأفراح حيث لا فراق بعده وذلك ما تكشفه أشعارها في نهاية هذه السيرة:
هل مضى عام ومازلت هنا
أنقل الخطو،
على الجسر إليك؟
أبأنفاسك أحيا أم ترى
مات بعضي
وبكى بعضي عليك؟
يمكن القول بأريحية تامة أن بنت الشاطئ عائشة عبد الرحمن كاتبة إسلامية من كبار كاتبات العصر الحديث جمعت في كتاباتها بين النظرة الإشراقية والذوق والرصانة المعرفية والتواضع المعرفي ، والرصانة اللغوية  والسلاسة والوضوح مع السمة الروحية العرفانية، وليس التجديد كما قال الشيخ أمين الخولي سوى قتل القديم بحثا ودرسا ،وليست المعرفة سوى كدح على طريق المحو والإثبات كما يرى غاستون باشلار،  ويمكن رد المنزع الصوفي إلى خلفيتها العائلية فهي من جهة الأب ينتهي نسبها إلى الحسين بن علي ومن جهة الأم إلى الشيخ الدمهوجي شيخ الأزهر، وسوف يبقى كفاحها في سبيل تحقيق حلمها بالاستزادة من العلم مبعث فخار لها ولعائلتها ولنساء مصر الكاتبات العالمات المثقفات في العصر الحديث، هذه الفتاة التي نالت أعظم الشهادات العلمية أصالة وابتكارا وعطاء وقد ناقشها في رسالتها الجامعية طه حسين،كما درّست بالعديد من جامعات العالم العربي أشهرها جامعة القرويين  بالمغرب ونالت جوائز عديدة كجائزة الدولة التقديرية وجائزة الملك فيصل لخدمة اللغة العربية ومثلت بحق المرأة المسلمة المنفتحة على العصر دون التفريط في ثوابتها الدينية والوطنية ، ودون مجاملة في نقد كثير من الحركات النسوية المتطرفة في مطالبها وتوجهاتها.