عبد الباري عطوان.
اليوم يُكمل العدوان الأمريكي الإسرائيلي على ايران شهره الأول، ويدخل اسبوعه الخامس دون ان يحقق أيا من أهدافه، وأبرزها إسقاط النظام الإسلامي الإيراني، واستبداله بآخر عميل تابع لواشنطن، وما حدث هو العكس تماما، فإيران ما زالت قوية واكثر صلابة، ونجحت في توسيع دائرة الحرب وإطالة أمدها، وتحويلها الى حرب إقليمية استنزافية متعددة الجبهات، وباتت تتحكم بالاقتصاد العالمي والبورصات المالية العالمية، وأسعار الطاقة هبوطا او صعودا، والاهم من ذلك ان ايران أوقعت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في فخ استراتيجي معقد يصعب عليه الخروج منه منتصرا، واصبح الخيار المطروح امامه هو إما التراجع والانسحاب ذليلا، او المزيد من التصعيد غير المحدود النهايات، وتحمل التكاليف والخسائر المالية والعسكرية البشرية العالية، مثلما حدث في فيتنام وأفغانستان والعراق.
ترامب يتباهى بكثرة هذه الأيام بنجاحه في تغيير النظام، واغتيال معظم قادة النظام القديم، بما فيهم رأسه، أي المرشد الاعلى الشهيد علي خامنئي، وهذا صحيح، ولكن للأسوأ بالنسبة لامريكا، والأفضل بالنسبة الى ايران، لان القيادة الجديدة أكثر شبابا، وأكثر تشددا، وكان أبرز قراراتها تنفيذ وصية السيد الشهيد خامنئي، بتغيير العقيدة الإيرانية من الدفاع الى الهجوم، والقتال حتى الشهادة او النصر.
كما ان بنيامين نتنياهو حليف ترامب الوحيد، بعد ان تخلى عنه حلف الناتو وجميع القادة الأوروبيين، أصاب كبد الحقيقة، عندما قال بالأمس ان ايران الحالية ليس ايران السابقة، و”حزب الله” ليس “حزب الله” السابق، فإيران الجديدة “المتغيرة” اطلقت 2500 صاروخا و3500 مسيّرة حتى الآن لقصف القواعد الامريكية في المنطقة، والمدن الفلوأطلقة المحتلة، مثل تل ابيب، ويافا وحيفا وعكا وصفد وبئر السبع وديمونة وعراد، وما زالت ترسانتها العسكرية مزدحمة، بالصواريخ والمسيّرات، اما “حزب الله الذي غيّره نتنياهو واغتال زعيمه سيد الشهداء حسن نصر الله، ومعظم قادة الصف الاول العسكري والسياسي القدامى، فقد تعافى كليا، وبات أكثر قوة وصلابة، واطلق أكثر من 5 آلاف صاروخ ومسيّرة انغماسيه منذ بدء العدوان الإسرائيلي في 28 شباط (فبراير).
***.
وما دمنا نتحدث عن الخطأ والصواب، يمكن إضافة نقطة ثالثة لا تقل أهمية، وهي تلك التي تتعلق بانخفاض عدد الهجمات الصاروخية الإيرانية بأكثر من 90 بالمئة في الأيام القليلة الماضية، وهذا الانخفاض صحيح، ولكن الأصح انه كان انخفاضا عدديا وليس نوعيا، أي استخدام جميع الصواريخ الإيرانية القديمة، والتخلص منها في الأيام الأولى للحرب، ولا يقل عددها عن 1500 صاروخ، والانتقال الى المرحلة التالية والأهم في الوقت المتفق عليه، واستخدام الصواريخ الأكثر تطورا، صواريخ الفرط صوت، والانشطارية وعنقودية الرؤوس التي يصل وزنها الى طن او طنين، مثل صواريخ خرمشهر، وخيبر شكن، والنسخ الجديدة المتطورة لصواريخ فتاح وسجيل.
الرئيس ترامب يعيش حالة من الهذيان والاسهال في اطلاق التهديدات التي لم يستطع ترجمة أيا منها على ارض الواقع حتى الآن، املا في الوصول الى ورقة التوت التي يمكن ان تستر عورته، فمضيق هرمز ما زال تحت رحمة الصواريخ والسفن الحربية الإيرانية، ونزول حركة “انصار الله” اليمنية الى ميدان المواجهة انتصارا واسنادا لإيران وفلسطين ولبنان والعراق، أضاف ثاني أهم معبر استراتيجي في الجزيرة العربية والبحر الأحمر الى قائمة أوراق القوة الإيرانية ومحور المقاومة، وهو مضيق باب المندب، فجميع السفن وحاملات الطائرات الامريكية ستكون تحت رحمة صواريخ اليمنيين، علاوة على المدن الفلسطينية المحتلة في إيلات وتل ابيب، ويافا وديمونة وبئر السبع، مثلما كان عليه الحال قبل وقف الهجمات اليمنية بعد تطبيق وقف اطلاق النار في غزة قبل بضعة أشهر.
ترامب لن يستطيع احتلال جزيرة “خرج” للسيطرة على عصب الصادرات النفطية الإيرانية، والتحكم بمضيق هرمز، كما ان كشفه عن رغبته في الاستيلاء على آبار النفط الإيرانية، أسوة بما فعل في فنزويلا، مجرد اضغاث أحلام وحتى لو استولى عليها، فإن المشكلة الأكبر هو كيفية الحفاظ عليها وحمايتها تحت الاحتلال الأمريكي، ايران ليست فنزويلا ومستعدون للتطوع واعطائه دروسا في التاريخ والجغرافيا مجانا.
نعم.. ندرك جيدا انه لا توجد حرب دون خسائر، وايران تعرضت لخسائر كبيرة من جراء هذا العدوان، مادية وبشرية، ولكن الخسائر الامريكية والإسرائيلية النوعية اكبر بكثير، فقد خسرت أمريكا حتى الآن طائرتي “شبح اف 35″، وطائرتي تموين للطائرات في الجو، وأخيرا طائرة “أي 3 سنترى اواكس” المتخصصة في الإنذار المبكر، وهي من نوع بوينغ في احدى الغارات الإيرانية على قاعدة الأمير سلطان الجوية الامريكية في المملكة العربية السعودية، وهذه الطائرة التي يبلغ ثمنها 500 مليون دولار، تستطيع رصد وتتبع الطائرات والمسيّرات والصواريخ المعادية من على بعد 400 كيلومتر.
***.
الهزيمة الحقيقية للثنائي الإسرائيلي الامريكي لا تنحصر في إسقاط الطائرات واعتراض الصواريخ والمسيّرات فقط، وانما في إسقاط الهيبة، وتدمير المعنويات، واغلاق المعابر في وجه السفن التجارية، والأهم من ذلك لجوء أكثر من سبعة ملايين مستوطن إسرائيلي الى الملاجئ والانفاق ليلا ونهارا لأكثر من شهر، واستمرار صفارات الإنذار بالنعيق دون توقف، وقضاء نتنياهو كل وقته في غرفة موجودة ثمانية طوابق تحت الأرض هروبا من الصواريخ العنقودية الإيرانية واللبنانية.
نتنياهو هو الذي خطط لهذه الحرب التي عمقها بلا قاع، وأمدها بلا نهاية، ونجح في جر ترامب مثل الخروف اليها، وحددا بدايتها وأطلقا الصاروخ الأول، ولكن من سينهيها هو محور المقاومة بقيادة ايران، حربا او سلما، فنفس هذا المحور عميق، وصبرها الاستراتيجي طويل جدا.. والأيام بيننا.

